»» المتحف المصري الكبير حيث تحكي الحضارة فصلها الجديد
بقلم: د.خلود محمود (مدرس الإعلام الرقمي ـ معهد الدراسات الأدبية بكينج مريوط)
بضوء القمر على هضبة الجيزة وحيث تلمع أهرامات مصر الخالدة تحت شمس التاريخ لم يعد الصوت الوحيد الذي يتردد هو همس الحجارة القديمة بتاريخ أجدادنا أمس بل انضم إليها صوت جديد مدوي يعلن عن ميلاد صرحٍ يربط الماضي العريق بالحاضر الطموح إنه صوت “المتحف المصري الكبير“، ذلك الحلم الذي تجسد على أرض الواقع، ليس مجرد مبنى يضم آثارًا، بل هو بيان مصري للعالم بيان يقول إن هذه الأمة لا تعيش على أمجاد الماضي فحسب بل تبني مستقبلها بيدين قادرتين على نحت الحجر وكتابة التاريخ في آنٍ معًا .
منذ اللحظة الأولى التي تضع فيها قدمك في ساحة المتحف، تدرك أنك أمام نموذج فريد لدمج الهوية ليس التصميم مجرد نسخة طبق الأصل من معبد فرعوني، بل هو حوار معماري مبدع الواجهة الشفافة التي تسمح لأشعة الشمس بالدخول لتلقي تحية على تمثال رمسيس الثاني العملاق، هي استعارة بصرية رائعة عن “الشفافية” و”الانفتاح” كقيم حديثة تُلقِي الضوء على عظمة الماضي ، ترى العناصر الفرعونية في الأعمدة والنقوش، ولكن بلغة معاصرة وجميلة إنه “التراث بإيقاع حديث” حيث لا يطغى الطابع القديم على الحداثة، ولا تذوب الحداثة في القدم، بل يخلقان معًا هوية مصرية حديثة واثقة من جذورها، منطلقة نحو المستقبل إنه المكان الذي تلتقي فيه “الناووس” بـ “الواجهة الزجاجية”، لتروي قصة أمة واحدة عبر آلاف السنين.
إن الهوية في جوهرها ليست مجرد موروث مادي بل هي كائن حي ينبض تتشكل من خلال الحوار المستمر بين جذورها الضاربة في أعماق التاريخ وتفاعلها مع متغيرات العصر ، وهذا المتحف المصري الكبير هو التعبير الأبلغ عن هذه الفلسفة حيث يجسّد “الهوية القديمة ويمزجها بالحديثة بطابع فرعوني وهو ليس مجرد مزج شكلي بين أعمدة جرانيتية وواجهات زجاجية، بل هي رؤية عميقة تضع الروح الحضارية لمصر القديمة برموزها وقيم العظمة والإبداع الكامنة فيها في قلب مشروعها الحديث ، أن هذه الهوية الهجينة تمنح المصريين إحساساً فريداً بالانتماء والاستمرارية، فهي تعيد تعريف “المصري” ليس كحارس لأطلال ماضٍ بل كوارثٍ شرعي لحضارة حية تثري هويته المعاصرة وتمنحه تميزاً على الساحة العالمية ، وقيمة هذا الدمج لا تقدر بثمن فهو يشكل درعاً ثقافياً ضدّ العولمة الممسوخة ومصدراً لا ينضب للإلهام في الفنون والتصميم والعمارة وحتى في صياغة الشخصية الوطنية .
لذا، فإن الدعوة إلى تفعيل هذه الهوية والحفاظ عليها ليست ترفاً بل ضرورة استراتيجية وهذا يتطلب نقلها من جدران المتحف إلى شرايين الحياة اليومية عبر مناهج تعليمية تزرع الفخر بالجذور مع إتقان لغات العصر، وفي إبداعات سينمائية وأدبية تستلهم الماضي لتحكي حاضرنا وفي تصميم أحيائنا وملابسنا وفنوننا لنتحول من مجرد أمة تتذكر مجدها إلى أمة تبني مجداً جديداً بلغة بصرية وروحانية فرعونية معاصرة، لتصبح الهوية محركاً للتقدم وليس مجرد ذكرى نتمسك بها.
إن هذا الافتتاح لا يعبر عن هوية فقط بل هو له أثرً سياسياً أعمق فلا ينفصل افتتاح المتحف المصري الكبير عن سياقه السياسي الأوسع إنه أكثر من مشروع ثقافي إنه “مشروع قومي” يحمل رسائل متعددة الطبقات داخليًا يجسد إرادة الدولة لتعزيز الفخر الوطني وترسيخ الروح الجماعية حول هوية موحدة. إنه جزء من سردية “بناء الدولة المصرية الحديثة” التي تتبناها القيادة السياسية، لتعيد تعريف مصر ليس فقط كـ “متحف مفتوح”، بل كـ “دولة فاعلة ومنتجة”.
أما خارجيًا يمثل المتحف أداة دبلوماسية قوية فهو يقدم صورة مختلفة عن قوة “الدولة المصرية” القادرة على إدارة وتنفيذ مشاريع عملاقة ويعيد ترويج مصر كمركز حضاري عالمي في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات يأتي هذا الصرح ليقول “مصر مستقرة، قوية، وحاضنة للإرث الإنساني بأكمله إنه استعادة لدور مصر الريادي على الخريطة الثقافية العالمية وهو ما يعزز موقعها السياسي في المحافل الدولية.
أما سياحياً ففي عالم يتنافس على جذب السياح لم يعد الأمر يتعلق فقط بامتلاك الكنوز بل بكيفية عرضها لذا فأن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان جديد لزيارته بل هو “نقلة نوعية” في مفهوم تجربة السياحة الثقافية وسيصبح الوجهة الأولى في العالم لعشاق الحضارة الفرعونية، منافسًا كبريات المتاحف العالمية.
سيدفع هذا المتحف بالسياحة المصرية إلى عصر جديد ويجبر العالم على إعادة النظر في مصر كوجهة للسياحة “الفاخرة” و”الثقافة المتخصصة”مما يزيد من متوسط إنفاق السائح ومدة إقامته بمصر الأهم من ذلك أنه سيعيد توزيع خريطة الزيارات حيث سيصبح محورًا لجذب سياحي جديد يشمل القاهرة الكبرى والجيزة محولاً تلك المنطقة إلى “منتجع ثقافي” متكامل أمام هذا الصرح سيتحدث العالم ليس فقط عن “مصر التي كانت”، بل عن “مصر التي تستحق الزيارة اليوم”.
إن المتحف المصري الكبير هو أكثر من متحف يحوي لآثار إنه حاوية للروح المصرية في أبهى صورها هو جسر بين عظمة الأجداد وطموح الأحفاد، وبين السياسة الداخلية والانفتاح على العالم، وبين الاقتصاد والهوية ، إنه المكان الذي تخرج فيه هوية مصر من صفحات الكتب لتقف شامخةً تحت القبة الزجاجية للقرن الحادي والعشرين لتخبرنا أن الحضارة مستمرة وأن مصر برمالها وحجارتها وأبنائها لا تزال قادرة على إبهار العالم.














