ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة نقطف من ثمارها اليانعة كل ما هو جميل ومفيد وماتع..
وضيفنا في هذه السطور الأديب مدحت الخطيب “المحامي”، والذي أهدي بوابة الجمهورية والمساء غيضا من إبداعات الثرية في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان ” ظل الورد”..
🍂
ظل الورد
لم تر أمها التي ماتت قبل أن تتم عامها الأول، فصار أبوها بدرا يضيء دروب حياتها، وشمعة تحترق حتى يرى ثغرها البسام ليلا ونهارا، لا كلل ولا ملل فيما يسعدها ويرضيها ويجعلها تنام ليلها على أجمل الرؤى المنامية السعيدة.
لقد نشأت مدللة في بيت أبيها، ومع الدلال كانت ذات الخلق الجميل، والطبع النبيل، وهي في الأصول الاجتماعية إمام ، وعند اشتعال الأزمات بين الغير رسول سلام، فأحبها النسيم لرقيق مشاعرها، وقبلها عبير الورود لصفاء مآثرها، وهي بين الأهل والأصدقاء في الخصال آية ، وحبها للخيرات بلا نهاية.
وجاءها من خطفها من حضن ابيها إلى حضنه ومملكته، فصارت ملكة متوجة في بيت زوجها، إذ من ذاك الذي بلا ضمير حي حتى يقصر في رضاء مليكته؟ أو يتجاهل تلبية إحدى رغباتها، فرغبات الملكات أوامر منفذة.
ومر العام
وتلاه العام
ثم العام بعد العام
حتى انقضت عشرة أعوام.
ما اجملها من ثوان وساعات وايام وشهور واعوام
وما اجملها من امرأة تنفست فمنحت للدنيا اجمل وألطف البنات، ثلاث زهرات ما بين العامين والثمانية، أخذوا منها الحسن والجمال والخلق الرفيع.
كانت عائدة ذات ظهيرة إلى بيتها وفي يدها ذات العامين، وبجوارها زهرتيها الأخريين ، فوجدت شاحنة تحت العمارة محملة بأثاث وأجهزة وأدوات منزلية، ورافعة ترفع المنقولات إلى الشقة المجاورة لشقتها على يمين السلم، حيث ستشغلها أسرة، ربها يقضي أكثر من عشرين يوما في الواحات الغربية، وباقي الثلاثين من الشهر في شقته المجاورة لها.
ورغم انعدام فرص المواجهات المباشرة، الا أنها وجدت فكرها مشغولا بجارها، ثم صارت تتحين الفرصة حتى تراه عند خروجه أو رجوعه إلى شقته، وبدأت نار الحب تشتعل في صدرها، كانت توقن أنه من جانبها وحدها، وأنها لم تخطر في باله مرة.
وذات ظهيرة فكرت ثم فكرت ثم فكرت في اختلاق سبب حتى تراه وتكلمه وتسمع صوته، ولكنها لم تهتد إلى مبرر مقنع ومقبول يساعدها على تنفيذ غرضها، وإذ كانت تواصل التفكير العميق في حيلة، رن جرس الباب على غير المعتاد، فمن الصعوبة بمكان أن يأتيها ضيف دون اتصال مسبق، ثم إنه ليس وقت محصلي قيمة استهلاك الغاز أو الكهرباء، فنهضت من على مقعدها ووضعت الحجاب على رأسها، ونظرت من العين السحرية.
يا ويلها
إنه هو
هو بشحمه ولحمه جاءها من تلقاء نفسه وكأنه حلم يجيئها دون استئذان، ويرحل عندما تستيقظ من نومها.
لم تضيع وقتا
فتحت الباب بابتسامتها الجميلة
لقد صار بعد بضعة أشهر كل حياتها، في نهارها تتخيله وتفكر فيه، وفي ليلها تناجيه وتحلم به، حتى صار الحب من الصعب وصفه، فما عادت لغة الحب كافية للتعبير عما يجيش بداخلها نحوه، وما عادت مفاتيح الهوى بمقدورها في سويداء قلبها أن تفتحه وتقرأ ما فيه من إحساس ومشاعر.
ورغم ذلك كله الا أن أكثر ما كانت تعانيه ويشقيها هو زوجها، ذلك الذي توجها مليكة على عرش قلبه، ولم يصدر منه ما يدفعها إلى خيانته وغضب ربها عليها، فلا هي قادرة على الاستمتاع بدفء جارها، ولا هي قادرة على طي صفحته من سجل عواطفها، وما بين النارين ظلت تحترق وحدها ولا احد يرى حمرة الجمر المتلظى في صدرها.
ثم قررت وضع حد لهذا العذاب، فما عاد بوسعها أن تتحمل النيران المشبوبة، ولكن أنى لها أن تجد هذا الحد؟.
أتطلب الطلاق حتى تريح ضميرها من فكرة الخيانة؟
ولكن ماذا بعد الطلاق ؟.
هل الطلاق هو الغاية ام تراه الوسيلة؟.
وهل الطلاق هو آخر الوسائل للوصول إلى قلب جارها المتزوج العائل, ام تراه حلقة من سلسلة حلقات لا حصر لها؟.
لقد صارت كلما سجدت تناجي ربها وتدعوه أن يجمعها بجارها في الجنة، فهناك لا احد سيعاتبها أو يحقد عليها أو يتلسن عليها، فالجنة دار الجمال والحب والصفاء والنقاء.
وذات ظهيرة، سمعت جلبة وضجيجا على السلم وفي الشارع ، فأخذها الفضول للمعرفة، فطلت من شرفتها، فرأت ذات الرافعة تشحن منقولات جارها على الشاحنة، فاليوم انتهت مدة الإيجار، ولم يرغب المالك في مده أو تجديده.












