بقلم: أ.د.خالد فتحى سالم (استاذ بيوتكنولوجيا المحاصيل معهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية ـ جامعة السادات)
»» بين التطور والتحديات وآليات الإنقاذ
تُعد السياحة واحدة من أهم الصناعات التي ترتكز عليها الاقتصادات الحديثة، ليس فقط لأنها مصدر رئيسي للدخل القومي والعملات الأجنبية، بل لأنها مرآة تعكس صورة الوطن أمام العالم.
وفي بلد مثل مصر، التي تملك ثلث آثار العالم، وشواطئ تمتد على بحرين وصحراء تفيض بالجمال والغموض، تبدو السياحة أكثر من مجرد صناعة… إنها حياة وثقافة وهوية.
أولاً: من الماضي المجيد إلى الحاضر المتجدد
عرفت مصر السياحة قبل أن تُعرف الكلمة بمعناها الحديث . منذ آلاف السنين، كان الزوار يتوافدون إلى أرض النيل ليتأملوا الأهرامات ومقابر الملوك والمعابد الشاهقة. وفي العصر اليوناني والروماني، كانت زيارة مصر حلم المثقفين والفلاسفة الذين أرادوا التعلم من حكمة الفراعنة.
وفي العصر الحديث، منذ بدايات القرن التاسع عشر، تحولت مصر إلى وجهة عالمية للرحلات الثقافية والاستكشافية. كانت الأقصر وأسوان مركز جذب لملوك أوروبا ونخبتها، حيث كانت الرحلات النيلية حلمًا لكل من أراد أن يلامس عبق التاريخ.
أما اليوم، فالسياحة في مصر لم تعد فقط “رحلة إلى الماضي”، بل أصبحت بوابة إلى المستقبل من خلال مشاريع تطويرية ضخمة مثل المتحف المصري الكبير، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومتحف الحضارة، وتطوير الموانئ والمطارات.
ثانيًا: تطور السياحة في العصر الحديث
شهدت السياحة المصرية تطورًا نوعيًا خلال العقود الأخيرة، خصوصًا مع تنوع أنماط السياحة التي تقدمها الدولة:
السياحة الثقافية والأثرية في الأقصر وأسوان وسقارة والجيزة.
السياحة الشاطئية في شرم الشيخ والغردقة والعلمين الجديدة.
السياحة البيئية في واحات سيوة والفيوم والبحر الأحمر.
السياحة العلاجية في سفاجا والواحات.
سياحة المؤتمرات التي تشهد ازدهارًا مع استضافة مصر لأحداث دولية كبرى مثل مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ.
هذا التنوع جعل من مصر دولة قادرة على المنافسة عالميًا، خاصة مع التحسينات في البنية التحتية، ورفع مستوى الخدمات الفندقية، وتطوير منظومة النقل والاتصالات، وبدء التحول الرقمي في الخدمات السياحية.
ثالثًا: التحديات التي تواجه القطاع
رغم كل هذا الزخم، لا تزال السياحة المصرية تواجه تحديات حقيقية.
من أبرزها:
التقلبات العالمية مثل الأزمات السياسية والاقتصادية، والحروب الإقليمية، وجائحة كورونا التي أثرت سلبًا على حركة السفر.
المنافسة الإقليمية الشديدة مع دول كتركيا واليونان والإمارات التي تقدم منتجات سياحية متكاملة بأسعار تنافسية.
نقص الوعي السياحي لدى بعض شرائح المجتمع، ما يؤدي أحيانًا إلى سلوكيات فردية تؤثر سلبًا على صورة السياحة.
التسويق الضعيف في بعض الأسواق الجديدة، إذ لا تزال مصر بحاجة إلى خطة إعلامية قوية للترويج المتجدد للوجهات السياحية بأسلوب عصري.
الاعتماد النسبي على عدد محدود من الأسواق السياحية (مثل روسيا وأوروبا الشرقية)، وهو ما يستدعي تنويع مصادر الزوار.
رابعًا: آليات إنقاذ السياحة المصرية
لكي تستعيد مصر مكانتها الرائدة عالميًا في السياحة، لابد من رؤية شاملة ومتكاملة ترتكز على عدة محاور:
1. الترويج الذكي والرقمي
في عصر الإنترنت، لم يعد كافيًا الاعتماد على الإعلانات التقليدية.
يجب أن تستثمر مصر بقوة في السياحة الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وصناع المحتوى، والحملات التفاعلية التي تستهدف فئات الشباب في العالم. فالسائح اليوم يختار وجهته عبر هاتفه قبل أن يختارها عبر الوكالات.
2. تحسين تجربة السائح
من لحظة وصوله إلى المطار وحتى مغادرته، يجب أن يشعر السائح بالترحاب والأمان والراحة.
ذلك يتحقق عبر تدريب العاملين في القطاع السياحي، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير لافتات متعددة اللغات، وتبسيط الإجراءات.
3. تنويع المنتج السياحي
الاعتماد فقط على الآثار والشواطئ لا يكفي.
ينبغي الاستثمار في سياحة المغامرة، والسياحة البيئية، وسياحة المهرجانات، والسياحة العلاجية. فمصر تمتلك كل المقومات لكنها تحتاج إلى حزم تنظيمية وإعلانية تبرز هذه الكنوز.
4. تشجيع السياحة الداخلية
قبل أن ننتظر السائح الأجنبي، علينا أن نشجع المواطن المصري على اكتشاف بلده.
فالسياحة الداخلية تخلق حركة اقتصادية مستمرة وتُنعش المدن وتُحافظ على المرافق السياحية طوال العام.
5. الاستثمار في الأمن والاستدامة
الأمان هو مفتاح السياحة، وكذلك الحفاظ على البيئة والمواقع الأثرية من التدهور.
لذلك يجب دمج مبادئ الاستدامة البيئية في كل مشروع سياحي، وضمان أن تظل مصر وجهة آمنة ونظيفة وصديقة للطبيعة.
خامسًا: السياحة كقوة ناعمة لمصر
ليست السياحة مجرد مصدر دخل، بل هي قوة ناعمة تنقل صورة مصر إلى العالم، وتبني جسورًا من التفاهم بين الشعوب.
كل سائح يعود إلى بلده يحمل في قلبه قصة عن المصريين وكرمهم، عن النيل وغروب الأهرامات، عن حضارة لا تشيخ.
لهذا، فإن الاستثمار في السياحة هو استثمار في سمعة الوطن وإنسانيته قبل أن يكون استثمارًا في المال،وسعادة الناس تساوي مليارات وحين تبتسم مصر، يبتسم العالم.
إن افتتاح المتحف الكبير، وتطوير المدن السياحية، وتحسين البنية التحتية، ليست إنفاقًا، بل ضخًّا للطاقة الوطنية.. والسياحة قاطرة قوية لأي اقتصاد، وسعادة الناس ومعنوياتهم تساوي مليارات.
فلنفرح بمصر ونحافظ على فرحتها، لأنها تملك ما لا يملكه أحد: حضارة الأمس، وجمال اليوم، وأمل الغد.














