عمت مساءً يا عزيزي، لعلك بخيرهناك،أتمنى فقط أن تنال روحك كفايتها من طمأنينة الرحيل المفاجىء عن هذا العالم المُحتل، لقد احتل”التيكتوكيون”كوكبنا بالفعل؛ كدت أضرب الحمقاء أم فتحي جارتنا”بالشبشب على بوزها” وهى تستعرض تفاصيل الغزو المتسارع على شاشة هاتفها وتنعتني ساخرةً بامرأة الكهوف المعتمة، وبأني مش عايشة في الدنيا!.
التيكتوكيون يا عزيزي ليسوا كائنات فضائية، ولا مجرد أبناء عصابات شريرة أنجبتهم الأرض في خطيئتها الكبرى مع عطارد ، ولايعيشون في تلك العوالم الموازية التي قرأنا عنها صغارًا في”ملف المستقبل ورجل المستحيل”، هم لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن عالمٍ بعينه، فقط يتسربون ويتسللون في منحنيات متداخلة بين العوالم، يلفون أذرعتهم حول خصرالزهرة ثم يمدون أرجلهم لنبتون ويتمطعون في المريخ وينامون في المشترى، يتبرزون في الأرض، ويتبولون بزحل، يُشبِهون الكائنات الفضائية بأفلام الخيال العلمي؛ غلاف آدمي لامع من الِميكب والسيشوار بداخله دماء بيضاء تميل للأورنج، وبأفواههم ثلاثة ألسنة مشقوقة من المنتصف.
إنهم في ليونة صفار البيض ولزوجة بياضه؛ غير أنهم لا يسهل طهيهم، فهم في الأصل بقايا ما تناوله مجتمع “التيك اواي، ثم تقيأه علينا وعلى اللي جابونا.
ماذا لو اكتشفت يا عزيزي أن أصابع كفتة اللحم الذي تحب مذاقها من يدي ليست سوى إفرزات حمضية مَعِدية؛ يعاد تدويرها مع البقسماط لتبدو كما كفتة لحم؟.
التيكتوكيون، يفعلون ذلك؛يصنعون من الشربات فسيخًا، ومن الفسيخ الأفسخ منه، يبدون لك من الوهلة العاشرة لمراقبتهم شركاء في جمعية غير منتظمة الدور، القبض فيها للأطول لسانًا والأتخن جلدًا، جمعية يلف “المعلوم” فيها ككرة السلة بين لاعبي نفس الفريق؛ اللاعب الأكثر طولًا يدرك متي يلقي بالكرة للاعب أقصر، ومتى يلكزه ليعيد التقاطها، ومتى يبتسم له ليمنحه إياها بكامل إرادته، وفي الرحلة القصيرة لتبادل المعلوم الذي قد يكون مالًا أو شهرة أو فشخرة كدابة أوعلاقات نسائية أو مصيدة للعرسان ستجد اللاشىء “أبو جِل” في شعره يسخر بمقطع فيديو قصير من “لاشيئة أخرى” تلقب نفسها بهرم مصرالرابع، فتخرج عليهم لاشيئة أخرى”منفوخة شلاضيمها”لتعاتبهم؛
ليثوراللاشىء “أبو جاعورة” في وجوه الجميع، مصدرًا صوتًا من أنفه مع لفظ خارج، وسرعان ما يطل علينا مئات اللاشيئين ليدلوا بدلوهم في اللاشىء الذي تسبب في حدوث لاشىء!.
أما عنا، فنحن المتابعين، الذين نظن أننا هناك على قمة سبعة آلاف سنة حضارة ننظر لهم باستهزاء، وهم يتكاثرون حولنا وبيننا وفينا، نتساءل عن هويتهم ثم نلقي هواتفنا بعيدًا شاعرين بالعلو والتسامي؛ شاكرين الله الذي عافانا مما ابتلى به سوانا من الكائنات التي تبدو حية.
لكم نحن أغبياء يا عزيزي، الغزو”التيكتوكي” قائم لا محالة، لاغرابة لو فتحت الباب فجأة على أختك، ابنة الثالثة عشرة، لتجدها ترقص على أغنية “صدر حبيبتي بلاط حمام” أمام آلآف من المتابعين بين كاره وساخر ولاعن ومُحب ومشجع ومريد، وربما نصحو غدًا؛ لنكتشف أننا جبناء متنمرون، احتموا بكهوف الماضي، أقرأ عليك قصة ليوسف إدريس؛ فتترحم على نجيب محفوظ صاحب نوبل، بينما أخفي عنك رأيي للمرة المليون بأن إدريس كان يستحقها أكثر منه، مثلما أدندن لك: سلملي عليه قوله إني بسلم عليه، فترد وأنت تحتسي قهوة العصاري: أعطني الناى وغني، وفي الليل تحاول إقناعي بأن الواقعية السحرية عند المخزنجي من نوع خاص، وأحاول إغراءك بأن تقرأ لي تلك الفقرات التي تضحكني في مذكرات الولد الشقي، ثم تختلف معي كعادتك عن كون فن الراوية هو الأقوى، بينما تدرك قناعتي بأن القصص القصيرة قادرة أكثر على إظهار موهبة الكاتب وقدراته، وتجادلني في مدى قناعة العلم بالإيمان عند مصطفى محمود؛ فأسألك عن تأثير الإيمان فيما لا نعلمه وربما لن نعلمه، فتصمت متحفزًا للرد في الغد.
كل هذا بينما أمُك “الحيزبون”المتصابية في غرفتها؛ تبث الفيديو الثالث خلال ساعتين وتشرح لرواد اللاشىء، كيف كان يعاني إله الفراغ من الفراغ، فأخذ يلعب في الطين ويصنع مخلوقات “التيك توك” العجيبة، ليملأوا الأرض بـالعبث والجنون
واللاشىء..اللاشىء على الإطلاق!.














