»» سرد يلتقط روح الريف وأسئلته القاسية
صدر حديثا عن الهيئة المصريّة العامة لقصور الثقافة مجموعة قصصية جديدة للأديب الدكتور فراج أبوالليل وسمت بعنوان “عزبة حنور” ، وهو عمل يواصل فيه الكاتب استكشاف عوالم القرية المصرية، حيث تتداخل الذاكرة بالحاضر، والبراءة بالعنف، والظلال بالخوف، في نصوص مشبعة بواقعية فاجعة وصور سردية حية.

يُعدّ الأديب فراج أبوالليل أحد الأصوات السردية والشعرية الجديدة التي تمزج بين حرارة الذاكرة الريفية وعمق الحس الإنساني. وقد قدّم خلال مسيرته مجموعة من الأعمال التي رسخت حضوره في المشهد الأدبي المصري، من بينها مجموعته القصصية القصيرة جدًا “رقص إجباري” ومجموعته الومضات القصصية “شاي فتلة” الصادرتين عن مركز الحضارة العربية ، إضافة إلى ديوانه الشعري الحر “لهو في معبد الموت” الصادر عن دار العبير، بينما يستعد لصدور مجموعته القصصية القصيرة جدًا الجديدة “السماء لا تمطر تلك الأيام” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
عالم العزبة… ومركزية القصة الرئيسة
تتألف المجموعة من أربع وحدات قصصية تضم كل وحدة ست قصص قصيرة، وهي:
الشجر يموت واقفًا
الشجر والحجر
الشجر يموت جائعًا
الشجر يحب الربيع
وتشكّل القصة الرئيسة “عزبة حنور” القلب النابض لهذه الوحدات الأربع، حيث يستعيد السارد طفولته في عزبة نائية «بعيدة عن الضوء»، يسكنها الخوف والذئاب وثعابين الرمال، ويثقلها حضور رجل ضخم يُدعى “التور” ؛ رمز القوة وصوت القهر الممتد في حكايات القرى.
في هذه القصة – التي تعكس نَفَس المجموعة كلها – يتجسد صراع الضعفاء مع الأقوياء، وتتعالى صرخة «شهوة» المنتهكة، ويظهر الجوع بأشكاله المادية والوجدانية، بينما تبقى شجرة الجميزة، وأشجار النبق والسنط، شاهدة على ما يحدث في العزبة من قسوة وخيبات وأسرار دفنتها الأيام.
تمازج المجموعات الأربع داخل نسيج واحد
يتداخل عنوان كل وحدة مع روح المجموعة:
في “الشجر يموت واقفًا” يواجه الإنسان قهر الواقع بصمت وانكسار داخلي.
وفي “الشجر والحجر” يتصادم الهشّ مع القاسي، وتتقاطع مصائر النساء والأطفال مع جبروت الحياة القاسية، بينما تقف الأشجار والحجارة شاهدة على كل شيء.
أما “الشجر يموت جائعًا” فيكشف جوعًا يتجاوز الخبز ليصل إلى الجوع إلى الحب، والعدالة، والراحة التي تلوذ بالذاكرة.
بينما تمنح “الشجر يحب الربيع” بصيص أملٍ ضعيف، يشبه انتقال السارد من العزبة إلى جوار «السيدة نفيسة» في القاهرة، وهو انتقال لم يحرر ذاكرته من صرخات الماضي.
لغة دافئة وصور حسية حادة
تتميز كتابة فراج أبو الليل بقدرة لافتة على التقاط مشاهد الريف المصري: أصوات النساء، عصبية الرجال، خوف الأطفال، رائحة الحقول، ووجوه القرى التي أنهكتها الفاقة.
لغته تجمع بين سلاسة اللهجة الريفية وعمق الجملة الأدبية وصورها الحسية القوية، ما يجعل القارئ كأنه يسير بنفسه في طرق العزبة الترابية ويشهد تحولات شخوصها.
إضافة جديدة للمشهد القصصي
بهذه الرؤية، وبهذا الأسلوب المشحون بالدهشة والوجع، تأتي “عزبة حنور” لتضيف فصلًا مهمًا في مشروع فراج أبو الليل السردي، مؤكدة قدرته على إعادة تشكيل الريف كفضاء فني غني، يتجاوز حدود المكان ليغدو مرآة للإنسان في ضعفه وقوته، في جوعه وأحلامه، في موته وربيعه المنتظر.














