# من أول السطر
أحيانا مع كثرة المتناقضات وعلامات الاستفهام الحائرة يتوقف مداد القلم عن الكتابة ويخفت صوت صريره، في هدنة وقتية ربما لساعات أو لعدة أيام ،بحثا عن نقاط ضوء تغرس الأمل في غد أفضل ،وعما يكشف معالم الحقيقة وسط هذا الزخم الكبير..
ومن بين تلك المتناقضات ما تابعناه خلال الأيام الماضية من مشاهد وتجاوزات وطعون خلال انتخابات النواب بمحافظات المرحلة الأولي ،رصدتها الهيئة الوطنية للانتخابات وعدسات المواطنين..
كما شاهدنا بعض الومضات الإيجابية للمشاركة فى العملية الانتخابية ،وشهدت العديد من اللجان قبل وأثناء وخلال عملية الإقتراع معارك ومخالفات قانونية وإنسانية تجاوزت حدود العقل والمنطق ومقتضيات المصلحة الوطنية والمسؤولية الاجتماعية.
وبصراحة قد تغضب البعض ممن يعنيهم الأمر ، لا أجد مبررا لتلك التجاوزات للظفر بمقعد البرلمان علي حساب الاستهانه بالقيم والمبادئ والتنافس غير الشريف، وعلي حساب وطن ينطلق نحو بقوة نحو عصر مغاير وتنمية مستدامة ،لا حدود لها..ولكن متي يبلغ البناء يوما تمامه ،إذا كنت تبني وغيرك يهدم !
كما لا أجد مبررا لحشد هذه الملايين من أجل عضوية مجلس النواب ، والظفر بلقب “سيادة النائب”
وقبل هذا وذاك ،ربما ينسي رسالة”نائب الشعب”المقعد وشرف نيل ثقة وتمثيل الناس تحت قبة البرلمان ، بما يحمل من معان ،علاوة علي خطورة دوره التشريعي والرقابي ومحاربة الفساد..
فكيف لفاقد الشئ أن يعطيه ،إلا من رحم ربي وأدرك قدسية المعني وحجم المسؤولية.
وبحماقة الممارسة السياسية والفهم الخاطيء للتمثيل النيابي،ما يزال الكثيرون من محترفي “لعبة السياسية” يرفضون تداول المقعد ، ويكرهون الكفاءات والجدارات الوطنية ،ويرون أنه حكر أبدي ،محظور الإقتراب منه،وغير مسموح مطلقا بتغيير الوجوه والأفكار وبث دماء جديدة!
إن نهج القرصنة وشراء الذمم ، والاستناد للمال السياسي بأرقامه الهائلة مجهول أو معلوم المصدر وانتهاز فرص حاجة الفقراء والبسطاء، جريمة لا تغتفر وعابرة لحدود النسق القيمي ،وتؤهل صاحبها بما يليق به من مكانة في قاع المجتمع ،لا مع صفوته وقادة رأيه!.
وفي خطوة لتصحيح هذا المسار الخاطيء أثلجت تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي قلوب المصريين حول أهمية مراجعة تجاوزات العملية الانتخابية وبحث شكاوى المواطنين ،من خلال الهيئة الوطنية للانتخابات ترسيخا للنزاهة والشفافية.
كما حملت رسالة واضحة مفادها أن الدولة لن تسمح بوجود شبهات تمس مصداقية الانتخابات، وتأكيد التزامها بترسيخ مبادئ الديمقراطية وتعزيز استقلال المؤسسات المسؤولة عن إدارة الاستحقاقات الانتخابي.
وهو ما يعكس إدراك القيادة السياسية لأهمية هذه المرحلة الدقيقة، والتي تتطلب شفافية كاملة وإجراءات دقيقة تعكس إرادة المواطنين.
ولا ريب أن خلق بيئة انتخابية منضبطة تشعر المواطن بقيمة صوته وأن مشاركته لن تذهب هباء ،وسيكون لها دور مؤثر في رسم الخريطة السياسية للبلاد خلال المرحلة القادمة ،فالتنافس “النظيف” هو المحرك الأساسي للإنجاز والتطوير.
كما تسهم هذه البيئة في تعزيز ثقافة المشاركة واحترام القانون، بما يشمل تكافؤ الفرص بين المرشحين، وضبط أدوات الدعاية، وتعزيز الشفافية داخل اللجان الانتخابية.
ومن المؤكد أن بناء منظومة انتخابية قوية، تدعم إرادة الناخبين وتحميها من أي تدخل، وتدعم كافة الأحزاب والقوى السياسية والمستقلين نحو تقديم برامج عملية ووجوه قادرة على تمثيل الشعب بكفاءة ،فالتجربة الديمقراطية الناجحة تبدأ من انتخابات شفافة ومؤسسات مستقلة تحمي إرادة المواطنين دون أي تأثير أو ضغط أو توجيه.
وجاء الحصاد مثمرا وسريعا فقد أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات عن بطلان نتائج الانتخابات في19 دائرة انتخابية بمختلف محافظات المرحلة الأولي بعد ثبوت مخالفات وتعدد الشكاوي والطعون،وحظيت تلك القرارات بترحيب شعبي واسع النطاق مع تحفظات علي نتائج نظام “القائمة الموحدة”، واعتبروها نافذة خلفية للوصول إلى مقعد البرلمان بدون وجه حق!.
لقد حققت مصر نجاحات سياسية واقتصادية وحضارية مبهرة خلال الآونة الأخيرة ويليق بها برلمان ناضج يتواءم مع طبيعة المرحلة ، وما يتوق إليه أبناء أرض الكنانة في ظلال الجمهورية الجديدة.
لقد سأم الناس وجوها كثيرة ترتدي زيفا قناع الوطنية والشرف ، ولا تعرف سوي منطق المصالح والنفعية المطلقة وسطوة النفوذ و رأس المال ،وقد آن الآوان لتعزيز ثقافة الوعي بدقة المرحلة وخطورة تمرير رموز لا علاقة لها بمصالح الوطن والمواطن.
وعلي قمة “منظومة الوعي” يبقي الوعي السياسي بما يعنيه من إدراك شامل للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على مستقبل الوطن.
والوعي بالقضايا الاجتماعية مثل حقوق الإنسان، والمساواة، والعدالة الاجتماعية والقدرة على إدراك وفهم المعلومات والمواقف والسياقات المختلفة.
ويأتي الوعي الثقافي مكملا للمنظومة بما يتضمنه من الوعي بالثقافات المختلفة والقيم والمعتقدات التي تشكل الهوية الثقافية، ثم الوعي البيئي وإدراك أهمية القضايا البيئية مثل التلوث، والتغير المناخي، والحفاظ على الموارد الطبيعية ومقدرات وثروات الوطن.
وللوعي أهمية كبري وفوائد جمة منها:
ـ تعزيز الفهم للقضايا المختلفة والسياقات الاجتماعية والسياسية.
ـ تعزيز المشاركة الفعالة في المجتمع والعمل السياسي.
ـ تعزيز التغيير الإيجابي في المجتمع من خلال فهم القضايا والعمل على حلها.
وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ستظل “معركة الوعي” والصراع بين الحق والباطل وبين الأفكار والقيم والمعتقدات والقناعات المختلفة..
وبعيدا عن اللوائح والقوانين المنظمة،سيظل ضمير المواطن اليقظ وإرادته القوية هما الفيصل في حسم “معركة الوعي” أولا وقبل خوض أية معارك حياتية فهو رمانة الميزان وحائط السد الأقوي ضد العواصف والنوات وندبات الجوائح والملمات.. هاتفا من أعماقه ،وبكل قوة “الناخب” يرفع “ايده”،فهو الظافر الأكبر والناجح الحقيقي في معركة البرلمان، الحياة علي وجه العموم،وهو القادر على صناعة التغيير وتثبيت ركائز الإصلاح وغرس الأمل في غد أفضل بإذن الله.
أتصور أنها ومضة مضيئة وصفحة جديدة وخطوة للإمام ،وبداية لتصحيح المسار ..ونقطة ومن أول السطر!.














