بقلم : د.سارة عبدالخالق محرم
(عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بنموذج محاكاة مجلس الشيوخ )
»» عندما تتحول العملية التعليمية إلى سباق درجات يرهق الطلاب والمعلمين
تتزايد يومًا بعد يوم الأصوات داخل الميدان التربوي التي تشير إلى خلل واضح في منظومة التقييم المدرسي الحالية ،فبدلًا من أن يكون التقييم وسيلة تربوية تُشخّص مستوى الطالب وتوجه تعلمه، أصبح ممارسة روتينية تُنفذ دون روح، وعبئًا يوميًا يرهق الطلاب والمعلمين والأسر.
تشير الملاحظات اليومية داخل المدارس إلي أن المنظومة الحالية، ابتعدت كثيرًا عن هدفها التربوي الحقيقي، وتحولت إلى روتين يرهق الطلاب والمعلمين والأسر دون مردود يعكس قيمة التعلم.
فالتقييم الذي كان يفترض أن يقيس مستوى الفهم ويحدد احتياجات الطالب، أصبح مجرد أوراق نمطية متكررة، معروفة ومتداولة، لا ترتبط بعمق المحتوى ولا بمهارات التفكير، بل تعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من الاستيعاب.
هذا الاعتماد المفرط على التقييمات الورقية ألغى دور استراتيجيات التعلم الحديثة التي تدعم التفكير النقدي، المناقشة، الأنشطة التعاونية، والمشروعات. وأصبح الطالب يتحرك بين تقييم وآخر دون أن يمتلك الوقت الكافي لفهم ما يتعلمه، خاصة مع الكم الكبير من المناهج الذي لا يتناسب مع المرحلة العمرية ولا مع الزمن الفعلي للحصة الدراسية.
وفي وسط هذا الضغط، وجد المعلم نفسه مضطرًا للركض خلف الجدول المزدحم بالتكليفات، بدلًا من التركيز على تقديم تعلم حقيقي.
ومع مرور الوقت، ظهرت أزمة أكبر تتمثل في أن المعلم لم يعد يمتلك المساحة اللازمة لتنفيذ الأنشطة الصفية داخل الحصة ،فبدلًا من تقديم تجربة، أو مناقشة، أو وسيلة تعليمية، أصبح همّه الأساسي إنهاء الأداءات، وتصحيح الدفاتر، ومراجعة الكراسات، ورصد الدرجات.
وهكذا تحوّل دوره من مربي قادر على الإبداع إلى منفّذ مهام يومية تُفرض عليه من الخارج. هذه الضغوط المتواصلة حرمت المعلم من التفكير في طرق جديدة لجذب الطلاب لمادته، أو ابتكار أساليب تجعل الحصة أكثر حيوية، مما أفقد العملية التعليمية روحها التي تعتمد على التواصل والتفاعل.
الأسر بدورها أصبحت جزءًا من هذا العبء، إذ تحوّلت التكليفات المنزلية إلى التزام يُؤدّى خوفًا من ضياع درجات، وليس رغبة في دعم التعلم، مما جعل الواجبات شكلية لا تحقق الهدف التربوي الذي وُجدت من أجله. وفي ظل هذه الصورة، لم تعد التقييمات تقدم وصفًا حقيقيًا لمستوى الطالب، بل باتت قياسًا كميًا للأوراق والدرجات، لا علاقة له بنواتج التعلم الفعلية.
وهنا يفرض نفسه تساؤل يردده العديد من التربويين والمعلمين: كيف يمكن الحديث عن تعليم قائم على الفهم والإبداع بينما لا يجد المعلم وقتًا لإبداعه، ولا يجد الطالب مساحة لتفكيره وسط هذا الكم من التقييمات اليومية؟ إنّ الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة التقييم أصبحت ضرورة ملحّة، وليس مجرد مطلب. فالإصلاح الحقيقي يتطلب رؤية شاملة توازن بين التعلم والتقويم، وتعيد للمعلم دوره الأصيل، وتمنح الطالب فرصة للتعلم دون ضغط، وتعيد للمدرسة وظيفتها التربوية قبل الإدارية. وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال مطروحًا… وينتظر إجابة.
ومع هذا الضغط المتزايد، لم تعد منظومة التقييم الحالية قادرة على قياس نواتج التعلم الفعلية؛ فهي تعتمد على قياس كمي للدرجات لا يكشف مهارات الطالب ولا جهوده ولا تقدمه الحقيقي. وأمام هذا الواقع، يصبح التفكير في إعادة بناء منظومة التقييم أمرًا ضروريًا لا يحتمل التأجيل، من خلال رؤية متوازنة تعيد الاعتبار للفهم، وتمنح المعلم مساحة للإبداع، وتعيد للطالب حقه في التعلم بهدوء ووعي، وتستعيد للأسرة دورها الطبيعي بعيدًا عن الضغوط.
إن إصلاح منظومة التقييم ليس خطوة إدارية، بل إصلاح تربوي عميق يبدأ من الاعتراف بالمشكلة ويمر عبر رؤية علمية واضحة، ويحتاج قبل كل شيء إلى صوت تربوي قوي وفاعل يعيد توجيه البوصلة نحو الهدف الأصيل للتعليم: بناء عقل قادر على الفهم، ومعلّم قادر على الإبداع، ومدرسة قادرة على صناعة المستقبل.ومع هذا الضغط المتزايد، لم تعد منظومة التقييم الحالية قادرة على قياس نواتج التعلم الفعلية؛ فهي تعتمد على قياس كمي للدرجات لا يكشف مهارات الطالب ولا جهوده ولا تقدمه الحقيقي. وأمام هذا الواقع، يصبح التفكير في إعادة بناء منظومة التقييم أمرًا ضروريًا لا يحتمل التأجيل، من خلال رؤية متوازنة تعيد الاعتبار للفهم، وتمنح المعلم مساحة للإبداع، وتعيد للطالب حقه في التعلم بهدوء ووعي، وتستعيد للأسرة دورها الطبيعي بعيدًا عن الضغوط.
الإصلاح الحقيقي لن يتحقق بإلغاء تقييم أو إضافة آخر، بل برؤية شاملة تعيد التوازن بين الكم والكيف، وبين التعلم والتقييم، وبين ما يحتاجه الطالب وما يستطيع المعلم تقديمه. وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال مطروحًا: كيف يمكن لمنظومة مرهقة للجميع أن تحقق تعليمًا حقيقيًا دون إعادة صياغة فلسفتها من الجذور؟.














