بقلم ✍️ تسنيم عمار
(باحث ماجستير، نائب مدير المشروعات بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر)
»» وداعا للاحتراق الوظيفي.. القنبلة الصامتة داخل بيئة العمل الحديثة !
لم يعد الإرهاق المهني مجرد حالة طارئة تصيب الموظف في نهاية موسم ذروة أو خلال فترة ضغوط مؤقتة، بل صار ظاهرة عالمية واسعة الانتشار تُعرف اليوم باسم “الاحتراق الوظيفي”.
هذه الحالة النفسية والجسدية المتراكمة باتت تُهدّد أداء الأفراد والمؤسسات على حد سواء، حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية إدراجها ضمن التصنيفات الصحية المرتبطة ببيئة العمل.
ورغم أن الجميع يتحدث عنها، إلا أن كثيرين لا يدركون حجم الخطر الذي يمكن أن تخلّفه ما لم تُتخذ خطوات جادة لعلاجها والحدّ من انتشارها.
يُعرَّف الاحتراق الوظيفي بأنه حالة من الإجهاد المزمن المرتبط بطبيعة العمل، تنشأ نتيجة تكدّس المسؤوليات، غياب التقدير، ضعف العدالة، وسوء التنظيم.
يتجلى الاحتراق في ثلاثة محاور أساسية:
ـ الإنهاك الشديد، والتبلّد أو الانفصال العاطفي تجاه العمل، والشعور بانخفاض الإنتاجية وفقدان الإنجاز. فالمشكلة ليست في عرض واحد، بل في التراكم الصامت لهذه الأعراض، التي تتسلل تدريجيًا حتى يجد الموظف نفسه عالقًا داخل دائرة من فقدان الشغف والإرهاق الذهني والجسدي.
من الأسباب الأكثر شيوعًا للاحتراق الوظيفي ضغط العمل المستمر دون فترات راحة كافية، وغياب الوضوح في المهام المطلوبة، إضافة إلى ثقافة مؤسسية تُحمّل العاملين فوق طاقتهم دون دعم نفسي أو مهني، كما أن بيئة العمل التي ترتكز على المقارنة، أو تلك التي يسودها ضعف التواصل بين الإدارة والموظفين، تُعد أرضًا خصبة لظهور الاحتراق.
في السنوات الأخيرة، ازدادت التحديات مع انتشار العمل عن بُعد، حيث تلاشت الحدود بين الحياة الشخصية ومتطلبات الوظيفة، ما جعل الموظف في حالة “استدعاء دائم” دون توقف.
انعكاسات الاحتراق الوظيفي لا تتوقف عند حدود الفرد، بل تمتدّ لتصيب المؤسسات في قلب إنتاجيتها. إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن الموظف الذي يعاني من الاحتراق يفقد ما يقرب من نصف قدرته على الإبداع، وتتراجع جودة اتخاذ القرار لديه بصورة واضحة، كما يرتفع معدل الغياب، وتزداد الأخطاء المهنية، وينخفض مستوى الالتزام، ما يؤدي في النهاية إلى خسائر مالية مباشرة وغير مباشرة تتحملها المؤسسة. وعلى المدى الطويل، تظهر تأثيرات أكثر خطورة، حيث يتجه الموظفون للبحث عن فرص أخرى، ما يرفع نسبة دوران العمالة ويُهدد استقرار بيئة العمل.
في المقابل، لا يُعد الاحتراق قدرًا محتومًا، بل يمكن الحد منه ومعالجته من خلال بناء منظومة متوازنة تضع صحة الإنسان في قلب العملية الإنتاجية. تبدأ المواجهة بالاعتراف بالمشكلة، ثم إعادة النظر في حجم المهام، وتوفير بيئة داعمة تحترم الخصوصية النفسية للموظف، كما يجب على المؤسسات الاستثمار في برامج تنمية المهارات، وتوفير قنوات اتصال واضحة بين الإدارة والعاملين، بما يسمح بالتعبير الآمن عن الضغوط دون خوف من التقييم السلبي.
أما على مستوى الفرد، فهناك مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تخفّف من حدة الاحتراق، أهمها تنظيم الوقت وتعلم قول “لا” في المهام الزائدة، إضافة إلى ممارسة الرياضة، وتخصيص أوقات ثابتة للراحة، واستعادة الأنشطة التي تمنح الشعور بالمتعة والتجدد، كما أن اللجوء إلى مختص نفسي ليس ضعفًا، بل خطوة ذكية للحفاظ على التوازن الذهني والمهني.
إن الاحتراق الوظيفي ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل إنذار صريح بأن منظومة العمل بحاجة إلى إعادة ضبط، فالمؤسسات الناجحة اليوم هي التي تدرك أن إنتاجية الإنسان لا تنفصل عن سلامته النفسية، وأن الاستثمار في رفاه الموظف هو استثمار في مستقبل المؤسسة.
وفي عالم يتغير بسرعة، ويزداد فيه الضغط التنافسي، يصبح الاهتمام بالعاملين معيارًا أساسيًا لقياس نضج بيئة العمل، وشرطًا لخلق مناخ صحي قادر على دعم الابتكار والاستمرارية.
في النهاية، يبقى الاحتراق الوظيفي رسالة يجب أن تقرأها المؤسسات جيدًا قبل أن تنفجر في وجهها، ورسالة يجب أن يلتقطها الأفراد قبل أن يفقدوا توازنهم الداخلي. هو دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، ولبناء بيئات عمل أكثر إنسانية وفاعلية، حيث يكون الموظف شريكًا حقيقيًا في النجاح لا مجرد رقم داخل منظومة الإنتاج.














