بقلم: مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والإجتماعية)
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير أو قنوات لنقل الخبر، بل أصبحت منظومة كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتصنع واقعًا بديلاً يشبه الحقيقة من بعيد، لكنه يقوم في جوهره على الوهم. فهذه المنصات – بما تملكه من قدرة هائلة على توجيه الانتباه ـ لم تعد تكتفي بعرض ما يحدث، بل تصيغ ما ينبغي أن نراه، وتستبدل التجربة الإنسانية الحقيقية بمشاهد مختارة بعناية، ولقطات محسوبة، وصور لا تعترف بعمق التفاصيل.
إن الاستخدام المفرط لواجهة افتراضية تُظهر الجانب اللامع وحده خلق حالة مستمرة من المقارنات غير العادلة. يتصفح الإنسان ما ينشره الآخرون، فيرى نجاحات متتابعة، وابتسامات دائمة، وحياة خالية من العطب، بينما يخفي الواقع ما خلف تلك الصور من تعب وضغط وأزمات. وهكذا يتحول الزائر العادي إلى متفرج يعتقد أن الآخرين سبقوه بمسافات، وأنه وحده خارج سباق الإنجاز. ومع الوقت تتشكل صورة داخلية مضلِّلة، تدفعه إلى الشك في إمكاناته وتبخيس ما يحققه في حياته الحقيقية.
لقد ساهمت هذه المنصات في خلق سباق محموم نحو الظهور، تُختزل فيه قيمة الفرد في عدد المتابعين، ويُقاس حضوره بكمّ الإعجابات.
ولم يعد معيار التأثير مرتبطًا بالمعرفة أو الخبرة، بل أصبح مرهونًا بالانتشار، مهما كان المحتوى خفيفًا أو خاليًا من القيمة. ونتيجة لذلك، صعدت أصوات هامشية إلى مركز المشهد، بينما تراجعت أطروحات جادة تحتاج إلى مساحة، وإلى جمهور يبحث عن معنى لا عن تسلية عابرة.
كما أفرز هذا العالم الرقمي طبقة من “الأبطال اللحظيين” الذين يلمع نجمهم بسرعة، ثم يختفون دون أثر. يظهرون مع موجة تريند، ويختفون مع موجة أخرى، فيتحول الرأي العام إلى كتلة قابلة للتشكّل اللحظي، يتأثر بما يراه لا بما يفكّر فيه. ومع ازدياد هذا النمط، بات الوهم أكثر حضورًا من الحقيقة، وباتت الضوضاء أعلى من أي خطاب موضوعي أو هادئ.
الأخطر من كل ذلك أن الإنسان بدأ ينظر إلى ذاته من خلال مرآة الآخرين، لا من خلال قيمه ومجهوده وما يحققه فعليًا. اختلطت الهوية الشخصية بالصورة المنشورة، وصار البعض يعيش داخل قالب رقمي يخشى الخروج منه حتى لا يفقد جمهوره. وهكذا تتراجع الصراحة مع النفس، وتفقد الحياة جزءًا من صدقها وبساطتها.
إن التعامل الواعي مع هذا الواقع يقتضي ألا نسمح للوهم بأن يتحول إلى معيار. فوسائل التواصل ـ مهما كان تأثيرها ـ أدوات يمكن أن تُستخدم لبناء الوعي بقدر ما يمكن أن تُستخدم لصناعته على نحو زائف. وما يحتاجه الإنسان اليوم هو أن يستعيد ثقته في جهده، وأن يفصل بين حياته الحقيقية وحياته المعروضة، وأن يدرك أن قيمته لا تقاس بمرات الظهور، بل بما يضيفه من أثر حقيقي، وبما يتركه من بصمة في محيطه.














