برؤية فلسفية عميقة صدر حديثا كتاب “الوسطيَّة” للكاتبة ندي قابيل وهو الإصدار الثالث لها..
تقول مؤلفة الكتاب:
“نظرتُ الوسطيَّة بـ عَيْن الإفراط تفريطًا، فكان القبض، وكذا رأيتُها بـ عين التفريط إفراطًا، فصار البَسط، فـ غدوتُ متذبذبًا بين ذلك؛ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”..
تلك كلمات نثرتها خلال تجربتي الشخصيَّة مع الوسطيَّة؛ بسطتُ أمامي ثلاثة أحوال: الإفراط، الوسطيَّة والتفريط، فـ تقمَّصت حالة الإفراط فنظرتُ على الوسطيَّة فأدركتها تفريطًا، فاشتعل في نفسي مقامُ القبض؛ حيث يعتبر مقام القبض ومقام البسط تجارب داخليَّة تسعى إليها الأرواح في رحلتها الصوفيَّة. يعتمد التوازن بين هاتين الحالتيْن على مراحل التطور الروحي للفرد ومستوى تحقيقه للوحدة المطاقة مع الله، فكانت روحي مُحمَّلة بـ الـإفراط؛ والإفراط نوع من التطرُّف، وهو اسراف في الحال وتشدُّد في الفكر، بينما التفريط نوع من التسيُّب والتخلِّي والإنحِلال.
وهو مرتبط بمقام البسط، هذا المقام به كَمٌ ها ئل من الحرية، ثم قلت: “وكذا رأيتها بـِ عَيْن التفريط إفراطًا فصار البسط” وهنا تجرَّد حالي الاول وهذه المرة تقمَّصتُ حال التفريط، ورمقتُ بـ عيني الوسطيَّة فوجدتها استحالت إفراطًا، يالعجب تلكم الوسطية؛ كأن ليس في ذاتها مفهومًا ثابتًا، فتجرَّدتُ مرة أخرى بعدما استحالت نفسي نفسًا مذبذبة؛ لا إلى التفريط ولا إلى الإفراط، فأخذتُ اتخيل الوسطية في قمة مثلث متساوي الساقين، رُسِمت ساقيه بشكل مُدرَّج، الزاوية اليُمنى هي الإفراط والزاوية اليُسرى هي التفريط، تلك المسافة المتدرجة ما بين الإفراط والوسطيَّة تدرجها في إنحدار معنوي؛ بحيث تكون قمة التشدد والتعصُّب والاسراف في الشيء والفكر عند زاوية الإفراط وتقل تدريجيًا حتى تصل للوسطيَّة، وتستمر في تدرجها حتى تصل للوسطيَّة وتستمر في تدرجها على الساق الاخرى للمثلث المتدرج من الوسطية حتى تصل إلى حالة التسيُّب حتى قمة الأنحلال في زاوية التفريط.
ويظل هناك مسافة ما بين قمة الإفراط وقمة التفريط وهي قاعدة المثلث؛ عبارة عن خط مستقيم غير متدرَّج، وتكون الزاوية المقابلة لقاعدة المثلث هي قمة الوسطيَّة، وإذا ما رسمنا خطًا مستقيمًا ما بينهما قسَّمت قاعدة المثلث إلى نصفين متساويين تمامًا، في نقطة الوسط، سمَّيتُ عمليّة تدرُّج الأطياف على ساقي المثلث بحالة الرمادية باعتبار أن الافراط في كينونته لونه اسود وأن التفريط لونه ابيض في ذاته، والرمادية حالة بين نقيضين، كما يُسمِّيها القرآن بالمتشابهات، وفيها يكون الزيغ واشتباه الأمور بغيرها، بين مُحكمين: الحلال والحرام، طوْرٌ من اللاوضوح، من الضبابية في منتصفه فقط نقطة اتزان، أتساءل .. هل والسطيَّة نقطة أم حالة ؟! وفي هذا المُخطَّط المُتخيَّل جعلت الوسطيَّة نقطة وحالة من تدرج الأطياف في ذات الوقت، مثله كـ طيف قوس قزح، واخترتُ اللونين؛ الأبيض والذي يتحلل لسبعة ألوان، والأسود يمتص هذا الألوان.
الوسط .. نحنُ أمة الوسط “جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” فـ في الوسط علم الشهادة، حالة بين طرفي نقيض، في الإفراط يكون غضب الله، وفي التفريط ضلالنا، الوسط صِراطٌ مستقيم، ” اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين”..
“نسير عليه بوتيرة واحدة، في الوسط تيهٌ ورماديَّة؛ تدرُّجٌ من الأطياف، ينسلخ بعضها من الآخر؛ كي يستحيل في لون جديد، في الوسط تذبذب وفتنة، للعقول وشك، وبعد الشكوك يقين ورسوخ؛ والرسوخ تسليم وعظيم إيمان.
قد استوقفتني كثيرًا علاقة علم الشهادة بالوسطيَّة وكيف نكون شهداء على الناس، أما عن فكرتي والتي كانت في مستهل كلامي،”نظرتُ الوسطيَّة بـ عين الإفراط تفريطًا، ونظرتُ الوسطيَّة بعيْن التفريط إفراطًا” ..
هكذا لن أرى الوسطيَّة على حقيقتها؛ لأنني لستُ في حالة اتزان، فعندما اتقمَّص حال الاتزان والوسط حينها فقط سأرى كل شيء في موضعه؛ سيكون الإفراط افراطًا والتفريط تفريطًا، وسأكون منغمسًا في الوسطيَّة، حينها فقط ستتضح الرؤية، يقول تعالى في القرآن “وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس” ، أي شهداء على باقي الأمم، شهداء على انقسام الامة نفسها ما بين مغضوب عليه وهم في حالة الإفراط وبين الضالين وهم في حالة التفريط، في سورة الفاتحة والتي تعتبر مفتاح للقران كله، وفيها رمزية بخلاصة القول، فالسراط المستقيم هو تلك الغاية المُثلى التي نطلبها من الله ونسعىٰ إليها، ولكنها تخالف طبيعة التكوين البشري وقوانينه في هذا العالم الفيزيقي، والذي لا ما يمشي على وتيرة واحدة، حتى خط النبض عبارة عن زجزاج، هناك تردد واضطراب وتقلبات غير منقطعة، وتبقى تلك النعمة التي نطلبها من الله هي الاعتدال والوسطية، بين نقيضيْن يتناقضان مع الوسطية من جهة، ويتتاقضان فيما بينهما من جهة اخرى.
ومن خلال فصول الكتاب تقوم الكاتبة بتحليل دقائق معاني الوسطية، ونسلَّط الضوء على جميع المعارف التي تناولت الوسطية بحميع معانيها المتعارف عليها؛ خاصة في الفلسفة والدين على وجه التحديد، وهما شاملان للثقافة برمَّتها. ونقف من الوسطية وقفة ناقد ومحلل، لنتمكن من بسطها بسطًا تامًا شاملًا.
محتوى الكتاب:
ـ الفصل الأول: مفهوم الوسطيَّة
• الوسطيَّة لغةً واصطلاحًا
• نبذة عن التاريخ الفلسفي للوسطية
• مفهوم الوسطية الصينية “اليين واليانغ”
• تعقيبٌ ونقد على فلسفة اليين واليانج.
ـ الفصل الثاني: الفكر اليوناني والوسطية
• الوسطية والفلاسفة ما قبل سقراط
• فكرة العدالة عند افلاطون
• ارسطو والوسط الذهبي
• تحليل ونقد وسط ارسطو الذهبي
ـ الفصل الثالث: الوسطية في العصر الوسيط
• اوغسطين والتوازن في “الاعترافات”
• توما الأكويني واللاهوت الوسيط
• الفارابي وكتابه “المذهب الوسطي”
• ابن رشد والتوازن في كتابه “المعرفة المطلقة”.
الفصل الرابع: الوسطية بين الفقهاء والصوفية
• مفهومي التصوف والتفقه
• الإمام الشافعي: “فقيهًا وصوفيًا فكن”
• علاقة علم الشهادة بجعلناكم امةً وسطَا
• رؤية فلسفية حول الوسطية الاسلامية
ـ’الفصل الخامس: الوسطية في الفلسفة الحديثة والمعاصرة
• الوسطية عند فرانسيس بيكون
• إيمانويل كانط والموازنة بين العقل والحس
• جوته وتحقيق التوازن بين العواطف والعقل
• علاقة الوسطية بالتناغم.














