في زمن يركض الناس فيه كأنهم مطاردون بسهام الغد، يقف الإنسان أحيانًا على حافة الطريق يلتفت حوله فلا يرى إلا ظهور الراحلين، فيحسب أنّه تأخّر. لكن المسكين لا يعلم أن الله لا يكتب الخطى إلا كما تُكتب الأقدار بروية وبميزان لا يختل، وأن كل تأخير له حكمة، وكل انتظار يحمل في طياته درسًا ثمينًا.
كثيرون بدأوا قبلك، توهّموا أنّهم سبقوا، ظنّوا أنّ أول الطريق ضمان لآخره، لكن البداية ليست خطوة، بل قلب حاضر، نية صافية، وجرح تعمّد الزمن أن يشفيه قبل الانطلاق. أحيانًا يكون التأخر هدية من السماء، فرصة للتعلم، للوقوف على النفس، للبحث عن ما يستحق السعي من أجله بصدق.
أنت لست متأخرًا، بل مختار بعناية، كأن يدًا غيبية أمسكتك من كتفك وقالت: “قف هنا قليلًا، فإن الطريق أمامك مزدحم بما لا يليق بك.” أنت لست آخر الساعين، بل أوّل الواصلين حين يأذن الله. كم من نفس بدأت في آخر الركب لكنها لم تتعلّم العجلة، فبلغت النهاية ثابتة، راقية، ناضجة حين تعب الآخرون، ورفعت رأسها حين انحنى من سبقها.
الزمن لا يقيس النجاح بالدقائق بل بالعمق، ولا يقيس الوصول بالسرعة بل بالاستحقاق. كل خطوة تخطوها الآن محسوبة، كل دمعة صبرت عليها، كل خيبة شعرت بها، ستتحوّل إلى قوة، إلى معرفة، إلى شعاع ينير طريقك. لا تخشَ التأخر، فالمرأة التي تزهر متأخرة تعطر الربيع كله، والرجل الذي ينضج بعد طول تجربة يسبق بأخلاقه ما لا تسبق به أقدام، والحلم الذي يتباطأ كثيرًا ما يأتي أصدق، أنقى، وأبقى.
من يظن أنّه تأخر، لو رأى ما يكتبه الله له في الغيب، لبكى خجلًا من استعجاله. لأن النهاية ليست لمن سبق، بل لمن استحقّ، ومن صبر، ومن حافظ على قلبه وضميره صافيًا ونقيًا وسط هرج العالم وصخب الحياة.














