بقلم : د.آية طارق عبدالهادي
(المدرس بقسم الإعلام المعهد الكندي العالي لتكنولوجيا الإعلام الحديث CIC)
لم تعد العلاقات الإنسانية تسير على الوتيرة التي عرفناها في سنوات الطفولة والمراهقة؛ فالقرب الذي كان يومًا طبيعيًا وبلا جهد، أصبح اليوم عملة نادرة. وبينما كبر الناس، بدأت الروابط التي كانت تشبه الأخوّة تتراجع ببطء، وكأن الحياة تقود كل فرد إلى مساحة ضيقة يختبئ فيها خلف انشغالاته وهمومه اليومية. ومع هذا التغيّر، يظل السؤال حاضرًا: هل تباعد القلوب نتيجة طبيعية لنضوج الحياة، أم أن التكنولوجيا هي التي أعادت تشكيل العلاقات من جذورها؟
في واقع سريع الإيقاع، أصبحت التكنولوجيا تقدم حلولًا تبدو سهلة للتواصل، لكنها حلول تفتقد حرارة العلاقات الحقيقية. رسالة نصية صغيرة باتت تغني عن زيارة، وإشعار سريع أصبح يُعتبر “سؤالًا عن الحال”، في حين أن جملة تُرسل إلى الجميع عبر خاصية “send all” أخذت مكان مشاعر كانت تُترجم باهتمام خاص لأشخاص بعينهم. ومع مرور الوقت، صار التواصل الرقمي يخلق وهمًا بالقرب، لكنه في الحقيقة يوسّع المسافة العاطفية بين الناس.
المفارقة أن التكنولوجيا قرّبت المسافات الجغرافية إلى أقصى حد، لكنها في الوقت ذاته ساهمت في إضعاف التواصل العميق. فالعلاقات التي كانت تحتاج وقتًا وجهدًا ورغبة حقيقية في البقاء، أصبحت اليوم معلّقة بين شاشة ورسالة وحالة “online” قد تكون مضللة أكثر مما هي صادقة. ولأن كل شيء أصبح سريعًا، خُيّل لنا أن المشاعر تتكيف بالسرعة ذاتها، لكنها على أرض الواقع تخبو حين لا تجد من يرويها.
الحقيقة أن التكنولوجيا ليست المشكلة في حد ذاتها، لكنها أعطت الناس انطباعًا بأن بذل الجهد لم يعد ضروريًا. فقد اعتدنا أن نطمئن على بعض بكلمة مختصرة، وأن نعتبر المشاركة الافتراضية كافية لإثبات وجودنا في حياة الآخرين، بينما تظل العلاقات الحقيقية تحتاج إلى وقت يُمنح لا وقت يُقتطع من عالم مزدحم.
وفي النهاية، العلاقات لا تتراجع فجأة، بل تذبل حين نعتقد أن الرسائل تكفي، وأن القلوب تظل كما كانت رغم انقطاع التواصل الحقيقي. وكل ما نحتاجه لاستعادة ما فقدناه هو أن ندرك أن الاهتمام لا يمكن أن يُختصر في ضغطة زر، وأن التكنولوجيا مهما تطورت ستظل وسيلة، وليست بديلاً عن المشاعر التي لا تنبض إلا بالحضور الإنساني الصادق.














