بقلم ✍️ شحاته زكريا
(باحث في الشؤون السياسية والإقتصادية)
في زمن يتسابق فيه الجميع نحو السرعة تتخذ مصر قرارا نادرا في هذا العالم الصاخب: أن تتريّث لتفكر قبل أن تركض. أن تُمعن النظر قبل أن تُطلق الخطوة. أن تُخطّط قبل أن تُنفّذ. فالركض بلا بوصلة ليس تقدما بل دوران في فراغ لا نهاية له.
العالم اليوم يُقاس بالسرعة: سرعة الإنتاج وسرعة الاستهلاك، وسرعة القرارات، حتى صارت الدول تركض لتسبق اللحظة لا لتصنعها. لكن مصر – بتاريخها العميق وبوصفتها الخاصة في إدارة الزمن – اختارت أن تكون صاحبة الرؤية لا أسيرة السرعة. اختارت أن تحوّل التفكير إلى طاقة وطنية لا إلى رفاهية مؤجلة.
في كل خطوة من مشروعها الوطني الشامل من «العاصمة الإدارية» إلى «الجلالة» و«العلمين الجديدة»، ومن «المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء» إلى «حياة كريمة»، لم تكن مصر تُغامر بعجلة متهورة ، بل كانت تُدير سباقا محسوبا بعقل الدولة وضمير التاريخ.
الركض قد يُنتج ضجيجا لكن التفكير وحده هو من يصنع المعنى.
نرى دولا كثيرة تركض وراء التكنولوجيا بلا وعي.فتتحول الرقمنة عندها إلى استهلاك لا إنتاج ، إلى بهرجة لا تقدم. أما في مصر فإن التحول الرقمي ليس مجرد تحديث للأجهزة بل تحديث للعقل الإداري وبناء لثقافة جديدة في التعامل مع الدولة والمواطن.
لقد فهمت مصر أن التقدّم الحقيقي ليس في مضاعفة السرعة بل في مضاعفة الفهم. لذلك كان رهانها على الإنسان أولا: في التعليم، في الصحة، في الوعي، وفي بناء الشخصية المصرية القادرة على التفكير لا التكرار. فحين يُصبح التفكير منهجا عاما تتغيّر ملامح المستقبل.
العالم يركض بحثا عن معادلة جديدة للاقتصاد ومصر تُعيد تعريف الاقتصاد نفسه.
بينما يلهث الآخرون وراء الأسواق كانت القاهرة تصنع من نفسها سوقا للعقول، ومركزا إقليميا للطاقة النظيفة وجسرا استراتيجيا بين الشرق والغرب.
من مبادرة التعامل باليوان الصيني إلى تعزيز الاستثمارات الخليجية ومن ترسيخ الشراكة مع أفريقيا إلى إعادة اكتشاف قناة السويس كممر عالمي للتجارة الخضراء تبدو مصر وكأنها تكتب نظرية جديدة في التوازن: كيف تجمع بين الحلم والواقعية، بين الطموح والعقل، بين السرعة والحكمة.
العالم يركض نحو المستقبل كأنه يهرب من ماضيه ، أما مصر فتمضي إليه وهي تحمل إرثها بفخر.
تُدرك أن حضارتها ليست عبئا على الغد بل ضمانة له.
ولعل أعظم ما يميز هذا الوطن أنه لا يسعى لأن يكون “الأول” في كل شيء بل أن يكون “الأصدق” في ما يقدمه لنفسه وللعالم.
فعندما تتحول التنمية إلى فلسفة تفكير لا إلى سباق أرقام يصبح كل مشروع درسًا في الوعي ، وكل قرار سياسي امتدادا لعقل جمع بين الفراعنة والعصر الرقمي.
ولعل اللحظة التي يعيشها العالم الآن ـ بين أزمات اقتصادية ومناخية وحروب باردة جديدة ـ تجعل من «التفكير» ترفا نادرا.
لكن مصر لم تنسَ أن التفكير هو الخط الدفاعي الأول عن الوجود.
إنها تعرف أن من يملك وعيه لا يمكن أن يُستدرج إلى فوضى ولا يُؤخذ إلى معركة لا تخصه ولا يُضلّل بآلة الإعلام الموجّهة.
من هنا تتجلّى عبقرية هذا الوطن: لا يلهث خلف اللحظة بل يصنع لحظته ولا يتعامل مع الزمن كعدو بل كشريك في البناء.
وبين الهرولة والحكمة فارق يصنع التاريخ.
الركض قد يُكسبك سباقا قصيرا ، لكنه لا يبني دولة. أما التفكير فهو الذي يصنع الدول الباقية في الزمن.
وإذا كانت مصر تبدو أحيانا كأنها تتأنى في قراراتها، فذلك لأنها تعرف أن من يحمل حضارة سبعة آلاف عام لا يجوز له أن يُقيس خطواته بالثواني ، بل بالبصمات التي تظل أبدا شاهدة على أنه حين ركض الآخرون.. كانت هي تفكر وحين توقفوا لتتنفسوا.. كانت هي تبني المستقبل.














