بقلم : د.خلود محمود
( مدرس الإعلام الرقمي بمعهد الدراسات الأدبية بكينج مريوط)
في غرفة مغلقة، أمام شاشة صغيرة، تُنهك البراءة ليس بضربة أو صرخة بل بتدفق هادئ وممنهج لمحتوى يُمجد العنف ويُشوه مفهوم الجسد ويحول العلاقات الإنسانية إلى سلعة هذه ليست بداية رواية تشويق بل هي الوصف الدقيق للطريق الذي يسلكه “الاغتصاب الرقمي” لطفولتنا قبل أن ينتقل ليصبح اغتصاباً جسدياً وحشياً في الواقع كما نري في المجتمع ونسمع كل يوم عن اغتصاب حدث لاطفال في عمر الزهور من مراهقين أو كبار مسنون ولا ندري أن هناك كارثة تحدث وتزيد تلك الجرائم كل يوم ، لقد تجاوزنا مرحلة التنمر الإلكتروني البسيط إلى حقبة أكثر قتامة: عصر “التصنيع الرقمي للمجرمين” فمن خلال شاشات الهواتف، يتم اختراق أعماق النفس البشرية، حيث تزرع الخوارزميات بذور الانحراف، وتُروى بلغة الكراهية والعنف، لتنمو في صمت حتى تثمر جرائمنا التي نصطدم بها كل يوم: مراهق يغتصب طفلاً بعد أيام من مشاهدته محتوى مسيئاً، ورجل يستغل براءة طفل بعد أن أقنعته مجموعات الظلام أن هذا الفعل “عادي”.
لنحلل سوياً في هذا المقال ماذا يمكن أن يفعل بنا العنف الرقمي ذاك الوحش الذي بات يوجد غرف اطفالنا ، تلك الغرفة الآمنة لم تعد موجودة لقد انهارت الجدران التي كانت تحمي أبناءنا، ليس بفعل قوة خارجية بل بفعل “عدوى افتراضية” اخترقت بيوتنا من أقوى نقطة لضعفنا وهي حب الاستطلاع لدى أطفالنا وفراغهم العاطفي وسذاجتهم في عالم رقمي لا يرحم يسرق طفولتهم.. والشاشات هي أداته ،
كيف ينتقل العنف من الشاشة إلى الشارع؟
الإجابة تكمن في ثلاث آليات نفسية واجتماعية خطيرة:
1. نظرية “المسرحة” وتطبيع العنف:
كما قال عالم الاجتماع “إرفينغ جوفمان”، الحياة مسرح ، فالآن أصبحت وسائل التواصل هي “المسرح الخلفي” حيث يُسمح للمراهق أو حتى البالغ بارتداء أقنعة الشراسة والوقاحة هنا، تُكسر كل الحواجز ، فالشتيمة التي لا يستطيع قولها في وجه أحد، يصبها في تعليق والتهديد الذي يتردد في إطلاقه شخصياً، يكتبه بكل بساطة ، هذه التمارين اليومية في “المسرح الخلفي” تُفقد الفرد القدرة على تمييز الخط الفاصل بين المسرح والحياة وتدريجياً يصبح العنف “لغة عادية” وعندما تنشأ أزمة حقيقية يجد الفرد نفسه من دون أدنى تردد ينتقل من لوحة المفاتيح إلى قبضة اليد، أو إلى شيء أخطر.
2. تأثير التخدير (Desensitization) عندما يشاهد المرء مئات المقاطع التي تظهر مشاجرات دامية أو يتعرض يومياً لمحتوى يحقر من الضعفاء ويمجد العنف فإن أعصابه الأخلاقية تصاب بالتخدير مشهد الاعتداء على طفل أو التحرش بامرأة لم يعد يثير فيه الذعر أو الاشمئزاز كما في الماضي هذه “المناعة الأخلاقية” هي الأخطر، لأنها تفتح الباب أمام ارتكاب الجريمة أو التقاعس عن إدانتها ، فالجاني الذي اغتصب طفلاً كان قد تخدر ضميره بعد مشاهدته لساعات من المحتوى الإباحي العنيف الذي يصور الاعتداء أمراً عادياً.
3. التحريض الخفي للخوارزميات فالخوارزميات لا تعرف الأخلاق بل تعرف التفاعل فقط عندما يبدي مراهق فضولاً حول سلوك منحرف تبدأ المنصة في تقديم محتوى أكثر انحرافاً وأعنف وتنشأ “غرفة صدى” رقمية تُقنعه أن ما يفكر فيه هو طبيعي وأن هناك مجتمعاً كاملاً يدعمه هكذا يتحول الشاب القاصر من ضحية لمحتوى ضار إلى مجرم محتمل مدفوعاً بآلة خوارزمية لا تعرف سوى لغة الإدمان والربح.
ومع غياب الأسرة أو وجود أسرة مفككة زادت من حدة وتفاهم هذا العنف بمجتمعنا الخاص خاصة بعدما فقدت الأسرة دورها التقليدي كحصن للقيم الآباء والأمهات في سباقهم مع الحياة، غادروا ساحة المعركة الحقيقية هم قد يسيطرون على الغرفة التي يجلس فيها الابن لكنهم فقدوا السيطرة على “العوالم الموازية” التي يعيش فيها داخل هاتفه لم يعودوا يعلمون أن ابنتهم تتعرض للتنمر أو أن ابنهم ينتمي إلى مجموعة تشجع على الانتحار أو الاعتداء الجنسي.
كل تلك صور للعنف بالمجتمع إلا أن وصلنا لمرحلة أبشع وهي اغتصاب الطفولة والتي تحدث على مرحلتين لا يدركهم المجتمع :
الأولي هي الاغتصاب الرمزي وهو تعريض عقل وروح الطفل لمشاهد ومفاهيم تدمر براءته وتجعل من جسده وأفكاره سلعة رخيصة في سوق الرقمية المفتوحة.
والثانية هي الاغتصاب الواقعي وهو النتيجة المأساوية التي نراها في عناوين الصحف مراهق يغتصب طفلاً بعد تقليده مشاهد رآها، أو رجل كبير يستغل ضعف طفل بعد أن أقنعته المجتمعات الافتراضية أنه فعل عادي هذه الجرائم هي القمة الجليدية لكتاب ضخم من العنف الرقمي المتراكم.
ناهيك عن المراهقين وهي المرحلة الأخطر فتشويه هوية المراهق هوية المراهق في عصر الهوية الرقمية تُبنى على عدد المتابعين و”الإعجابات” عندما يكتشف أن أسرع طريق للشهرة هو عبر مقطع فيديو “صادم” سواء كان مشاجرة أو تنمراً أو تحرشاً فإنه يسارع إلى تبني سلوك العنف كجزء من هويته الجديدة هوية “الفتى القوي” أو “الفتاة الجريئة” غير مدرك أن هذا الطريق ينتهي به إلى الهاوية.
أن هذا المقال هو دعوة من العلاج إلى المواجهة ، مواجهة هذه الآفة التي لا يمكن أن تكون بنبرة الوعظ التقليدية إنها تتطلب إعلان حالة طوارئ مجتمعية:
يبدء تشريعياً بضرورة سن قوانين رادعة وسريعة للتتبع والملاحقة تجعل من الفضاء الرقمي مجالاً للمساءلة وليس للإفلات من العقاب.
ثم تنطلق للتكنولوجياً بإلزام شركات التكنولوجيا بتحمل مسؤوليتها باستثمار جزء من أرباحها الطائلة في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر فعالية لكشف ومحاربة المحتوى المحرض وليس الاكتفاء بتصريحات إعلامية شكلية.
ولا نغفل الجانب التربوي والأسري وهذا هو محور المعركة الحقيقية فلابد أن تقوم المؤسسات الحكومية والوزارات المعنية والمجتمع المدني بدعم
تمكين الآباء من خلال حملات توعية مباشرة تجيب على أسئلة صعبة “كيف أحمي ابني من التنمر الإلكتروني؟”و “كيف أتحدث مع ابنتي عن التحرش؟”. وتحويلهم من حراس عاجزين إلى رقباء أذكياء وشركاء في التربية.
وأيضاً لابد من تسليح الأبناء بإدخال “التربية الإعلامية الرقمية” كمادة أساسية في المدارس لتعلمهم كيف يكونوا مستخدمين ناقدين يمتلكون المناعة الفكرية ضد سموم الشبكة، بدلاً من أن يكونوا مجرد مستهلكين سلبيين.
أن العنف الرقمي لم يعد مجرد كلمات طائشة على شاشة إنه سكين حاد يشحذ كل يوم في العالم الافتراضي لينغرس في ظهر المجتمع في العالم الحقيقي ، أن حماية أطفالنا ليست خياراً بل هي معركة مصيرية على روح هذا المجتمع وأمنه والوقاية اليوم من خلال التوعية والمواجهة الذكية أرخص وأكثر إنسانية ألف مرة من علاج جراح لن تندمل، وضياع لأرواح بريئة لن تعود .














