قضية مدرسة “سيدز” ليست مجرد حادثة عابرة في سجلات الجريمة، وإنما هي الزلزال المستمر الذي يعري سوءات تشريعاتنا ويكشف يوماً بعد يوم عن تصدعات مخيفة في جدار الحماية المفترض لأطفالنا، تلك الثغرات التي تتيح للوحوش البشرية أن تنهش براءة الصغار ثم تفلت من عقوبة الإعدام المستحقة تحت عباءة مسميات قانونية عفى عليها الزمن؛ فالمشهد الحالي ليس مجرد جريمة نكراء، وإنما هو مصيبة مكتملة الأركان ما زالت فصولها تتوالى وتستوجب من المجتمع بأسره وقفة حازمة. ولعل ما يزيد المشهد قتامة هو ما كشف عنه تقرير الطب الشرعي مؤخراً في تحقيقات القضية الجارية، حيث انتهى إلى العثور على خلايا بشرية تخص ثلاثة متهمين جدد وجدت عالقة بملابس بعض المجني عليهم، ليقفز بذلك عدد الذئاب المتهمين باستباحة أجساد هؤلاء الصغار إلى سبعة متهمين إجمالاً، في مكان كان يُفترض أن يكون محراباً للعلم والأمان، لا مسرحاً لانتهاك الطفولة.
إن هذه القضايا باتت في تصاعد مرعب يدق ناقوس الخطر، ومأساة “سيدز” المشتعلة الآن ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل هذا القصور التشريعي، فقد سبقتها بأشهر قليلة فاجعة أخرى هزت الضمائر حين تجرد مدير مدرسة من إنسانيته واعتدى على طفل استأمنه أهله عليه، ليتحول المؤتمن إلى ذئب بشري، مما يؤكد أننا أمام مسلسل مستمر وظاهرة تتفشى كالسرطان وتستوجب استئصالاً جذرياً. والمأساة الحقيقية هنا لا تكمن في الجرم فحسب، وإنما تتعداه لتكمن في التكييف القانوني الذي يقف عاجزاً عن استيعاب بشاعة الواقع؛ إذ نصطدم بحقيقة تشريعية صادمة مفادها أنه لا وجود لمصطلح “اغتصاب ذكر” في القانون المصري؛ فالقانون بتعريفه القاصر يحصر جريمة “الاغتصاب” في الاعتداء الكامل على الأنثى فقط. أما ما عدا ذلك، سواء وقع الاعتداء الجسيم على طفل ذكر، أو حتى على أنثى بصور أخرى للانتهاك الجسدي مهما بلغت قسوتها، فيتم إدراجه تحت مسمى “هتك عرض”. وهنا تكمن المفارقة الموجعة، فالمسمى لا يغير التوصيف فقط، فضلاً عن أنه ينسف العقوبة نسفاً؛ إذ إن عقوبة الاغتصاب قد تصل إلى الإعدام، بينما يقف سقف عقوبة هتك العرض عند السجن، مهما بلغت وحشية الفعل ومهما تهتكت أجساد الصغار.
تخيلوا أطفالاً في عمر الزهور، لم يتجاوزوا مرحلة الروضة، يُدمرون جسدياً ونفسياً حتى يصابوا بأضرار صحية بالغة وتبول لا إرادي، وتنهار أسرهم بالكامل، ثم يرون جلاديهم يُسجنون لسنوات معدودة ليعودوا بعدها أحراراً طلقاء، يحملون نفس الميول الشاذة ويهددون أطفالاً آخرين، وكأن المجتمع يمنحهم فرصة ثانية للإجرام. ولا يتوقف هذا العوار عند قوانين العقوبات العامة، وإنما يمتد ليشمل قانون الطفل الذي يحتاج إلى ثورة تشريعية شاملة، ولنا في قضية الطفلة “آيسل” خير دليل وأقسى درس؛ إذ لا يستقيم عقلاً ولا شرعاً أن يرتكب “حدث” جريمة اعتداء وحشية أو اغتصاباً أفضى إلى موت، ثم يُعامل بمنطق الرأفة ويُودع في مؤسسة عقابية للأحداث، ليخرج منها بعد انقضاء المدة وقد اكتسب خبرات إجرامية جديدة، فيعود إلينا وحشاً أشد ضراوة وأبشع مما كان.
إننا اليوم، وأمام هذا السيل الجارف من الانتهاكات، نرفع الصوت عالياً للمطالبة بتدخل تشريعي وإداري عاجل لا يقبل التأجيل؛ نطالب بتشكيل لجنة قانونية تتولى نسف هذه النصوص البالية وتغييرها جذرياً، بحيث يتم تعديل تعريف الاغتصاب ليشمل أي اعتداء جنسي كامل، أياً كانت صورته أو طريقته، وسواء وقع على ذكر أو أنثى، لتكون العقوبة هي الإعدام ولا شيء غيره. كما يجب أن يتضمن القانون نصوصاً صريحة تعتبر أي لمس لأجساد الأطفال وعوراتهم اعتداءً جنسياً جسيماً يستوجب عقوبات مغلظة ورادعة. وبالتوازي مع التعديلات القانونية، نطالب بوضع نظام صارم وحازم لتوظيف أي شخص داخل المؤسسات التعليمية، فلا يكفي المؤهل العلمي، وإنما يجب فرض فحوصات نفسية دورية وتحريات جنائية دقيقة لكل من يتعامل مع الأطفال، من المدير إلى العامل، لضمان سلامتهم النفسية والجسدية. وعلاوة على ذلك، لا بد من استثناء جرائم الدم والعرض من مواد الرأفة في قانون الطفل، فمن يملك القدرة والوحشية لقتل وانتهاك براءة طفل، قد تجاوز مرحلة الطفولة واستحق أن يحاكم كبالغ قاتل. إن تحويل بعض القضايا للنيابة العسكرية قد يكون حلاً مؤقتاً، لكن الحل الجذري يكمن في قلم المشرع الذي يجب أن يمتلك “حُسن تقدير” لحجم الألم والدمار الذي يلحق بالضحايا؛ فأولادنا ليسوا حقل تجارب، ومن يمس ظفراً منهم لا يكفينا فيه سجن الدهر كله، ولا يشفي صدورنا سوى القصاص العادل الذي يحمي ما تبقى من براءة.














