بقلم : د. رضا الفولي
( المدرس بقسم العلاقات العامة والإعلام بمعهد الجزيرة العالي للإعلام وعلوم الاتصال)
شهدت السنوات الأخيرة تزايد بشكل مطرد في استخدام منصات الاعلام الرقمي حتى تحوّل مفهوم الميديا دايت ـ أو الحمية الرقمية ـ من مجرد نزعة لتحسين الصحة النفسية إلى خطاب ثقافي واسع يطرح أسئلة أعمق حول علاقتنا بالتكنولوجيا، ليناقش حدود سيطرة المنصات على وعينا المجتمعي . خاصة مع تزايد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وزيادة كثافة المحتوى، بات الانسحاب المؤقت من الشاشات يُقدَّم أحياناً كخيار صحي واجتماعي ؛لكنه في الوقت نفسه قد يُفسَّر كعلامة على إرهاق حضاري ونفسي واجتماعي فأصبح هناك نمط آخر للحياة يعرف بالحياة الرقميه.
وقد أشارت الكثير من الدراسات والأبحاث البينية بأنه يمكننا النظر إلى الحمية الرقمية بوصفها استراتيجية ضبط ذاتي cognitive self-regulation أكثر منها مجرد مقاطعة. مما يعني أن تعرض الأفراد للفيض المعلوماتي—لاسيما القادم من خوارزميات الذكاء الاصطناعي تفضّل الإثارة والانفعال—يؤدي إلى إنهاك معرفي decision fatigue، وتراجع القدرة على التركيز، وخلل في تقييم المعلومات الموثوقة نظراً لكثرة المحتوى المقدم .
لذا فإننا بحاجة ماسة لتقليص حجم التعرض الرقمي بوجه عام لإعادة ضبط النظام المعرفي لا رفضاً للتكنولوجيا بحد ذاتها.فالأصل في استهلاك التكنولوجيا يقوم على المشاركة فيها والتعلم والاستفادة في تسريع الأعمال وتحقيق تواصل أسرع وأسهل ، كذلك التفاعل النقدي مع محتواها. وبالتالي، فإن الابتعاد عن الوسائط قد يقود إلى فجوة مشاركة participation gap، حيث يتحول المستخدم من فاعل رقمي إلى متفرج على تحولات كبرى تشكلها منصات الذكاء الاصطناعي وتعيد من خلالها صياغة المجال العام.
ومن ناحية أخرى أكثر تعقيداً: هل الحمية الرقمية اختيار فردي، أم شكل جديد من المقاومة الرمزية؟ بعض الباحثين يعدّها آلية لاستعادة التحكم في الذات وسط بيئة تتعمد هندسة انتباهنا attention engineering، بينما يراها آخرون رفاهية لا يملكها الجميع، خصوصاً في ظل توجه مجامعي يعتمد بالكامل على التدفق الرقمي.
إذن، نحن أمام جدلية ليست تقنية فقط بل اجتماعية أيضاً. فالحمية الرقمية قد تكون خطوة نحو وعي أكثر نضجاً بالعلاقة مع الوسائط، لكنها—إن استمرت كحركة انسحاب جماعية—قد تُفهم كفقدان ثقة في البيئة الإعلامية، أو كإنذار إلى أن وتيرة التحول الرقمي تجاوزت قدرة الإنسان على التكيف.
في النهاية؛السؤال ليس: هل ننسحب؟ بل: كيف نبقى داخل الفضاء الرقمي دون أن نفقد سيادتنا عليه؟ فالحلول لن تأتي من القطيعة، بل من بناء ثقافة التعامل المتزن، وتقليل الاعتماد الانفعالي على المنصات، وصياغة ممارسات توازن بين الاتصال والإدراك.. ليكون الحضور الرقمي أكثر وعياً وأكثر أمانا ً.














