بقلم: د.هناء خليفة (دكتوراه الإعلام الرقمي )
»» من “الخوارزمية” اليد الخفية.. إلى العقل الجمعي
في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة تُصنع داخل غرف الأخبار، بل على شاشات الهواتف؛ أصبح الوعي الجمعي نفسه يخضع لإعادة تشكيل مستمرة… لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل: كيف نفهم ما يحدث؟ وهنا يظهر تأثير الإعلام الرقمي الذي انتقل من مجرد وسيط، إلى لاعب أساسي في تشكيل وعي المجتمع.
*بوابة الوعي الجديدة: من شاشة الهاتف إلى العقل الجمعي*
لم يعد الجمهور ينتظر نشرات الأخبار ليكوّن فهمه للعالم. فاليوم تأتي الأخبار عبر إشعارات الهواتف، ومقاطع الفيديو القصيرة، والصور المتداولة على المنصات.
هذا التدفق الهائل يغيّر طريقة إدراكنا للأحداث، ويخلق أولويات جديدة، بعضها لا يعكس حجمها الحقيقي في الواقع، بل في فضاء المنصات.
*معركة على الانتباه… تصنع وعيًا لا معلومات*
كل منصة وكل صانع محتوى يتصارع على شيء واحد: انتباهك… وعندما يتكرر نوع معين من المحتوى، تبدأ الفكرة في التحول من “منشور” إلى “قناعة”، ومن رأي فردي إلى موقف جمعي، حتى لو لم يخضع لنقاش حقيقي.
*الخوارزميات: اليد الخفية التي تختار ما نراه*
خلف كل محتوى يصل إليك، توجد خوارزمية تقرر ما ينبغي أن يظهر لك أولًا، هي التي تحدد ما يبدو مهمًا، وما يصبح ثانويًا، وما يختفي تمامًا.
وبمرور الوقت، تصنع هذه الاختيارات إطارًا فكريًا عامًا، يوجّه المجتمع دون أن يشعر أنّه يُوجَّه.
*هيمنة الصورة والفيديو: التأثير الأسرع على المشاعر*
اليوم، صورة واحدة قادرة على إحداث موجة تعاطف أو غضب في دقائق، الفيديو القصير أصبح أقوى من المقال الطويل، وأكثر قدرة على تحريك المزاج العام… وهكذا أصبح المحتوى البصري محركًا رئيسيًا للرأي العام، وأحد أعمدة تشكيل الوعي الجمعي.
*فرص جديدة… ومخاطر تحتاج إلى وعي نقدي*
الإعلام الرقمي كشف قضايا كانت غائبة، ومنح منصة لصوت لم يكن مسموعًا، لكن في المقابل، فتح الباب أمام التضليل، والمبالغة، والاستقطاب… لذلك، صار المستخدم بحاجة إلى وعي نقدي يكشف الزيف، ويميز بين الحقائق والروايات الموجهة.
*وعي رقمي مسؤول… حتى لا نصبح مستهلكين للوعي فقط*
لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح شريكاً في تشكيل العقل الجمعي. ولهذا، لابد للمجتمع من تعزيز ثقافة الوعي الرقمي، حتى لا يتحول الفرد من صانع رأي إلى مجرد مستقبل، ومن مشارك في صناعة الوعي إلى متلقٍ سلبي لما تنتجه الخوارزميات.
وختاماً .. في عالم تتسارع فيه الرسائل والصور، يبقى الوعي الرقمي هو البوصلة التي تحمي المجتمع من الضلال وتمنحه القدرة على رؤية الحقيقة بوضوح.














