بقلم ✍️ د. سحر سالم
(الخبير الإعلامي واستشاري الصحة النفسية ـ مدير عام إذاعة القناة سابقا)
هل تسير الإصلاحات الاقتصادية في الاتجاه الصحيح؟ سؤال يتكرّر يوميًا في الشارع المصري مع كل قرار اقتصادي جديد. وفي الوقت الذي تتزايد فيه التحديات أمام المواطن، تظهر على الجانب الآخر مجموعة من المؤشرات التي يتعامل معها الخبراء باعتبارها إشارات مهمة على تغيّر الاتجاه الاقتصادي.
يرى عدد كبير من الاقتصاديين أن تقييم الإصلاح لا يعتمد على الانطباعات، بل على حركة المؤشرات الأساسية: النمو، الاستثمار، الاحتياطي النقدي، وحجم الإنتاج. وفي هذا الإطار، جاءت تقارير مؤسسات التصنيف الدولية—آخرها تقرير “فيتش”—لتعكس قراءة إيجابية لمسار الاقتصاد، بعد رفع توقعات النمو إلى 5.2% استنادًا إلى أداء قوي للربع الأول وصل إلى 5.3%. ويُرجع محللون هذه الزيادة إلى تحسن في الاستثمارات، ارتفاع نسبي في الصادرات، وتوافر العملة الأجنبية بعد فترة من التذبذب.
إلى جانب ذلك، يشير خبراء إلى تطور ملحوظ في حجم الاحتياطي النقدي الذي أعلن البنك المركزي وصوله إلى أكثر من 50 مليار دولار، وهو ما يعدّه البعض عنصرًا داعمًا لقدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، ويعطي مساحة أكبر لتخفيف الضغط على سعر الصرف، وهو ما انعكس على استقرار الجنيه خلال الأشهر الأخيرة.
أما ما يتعلق بالتضخم—وهو الملف الأكثر تأثيرًا على حياة المواطن—فقد شهد انخفاضًا طفيفًا خلال شهر نوفمبر، مدفوعًا بتراجع أسعار الخضروات والمواد الغذائية الأساسية، رغم تأثير ارتفاع أسعار الوقود. ويرى الخبراء أن السيطرة على التضخم خطوة مهمة تمهّد لخفض تدريجي في أسعار الفائدة، مما ينعش حركة الإقراض ويتيح مجالًا أوسع لنمو القطاع الخاص.
وبينما يربط كثير من المحللين نجاح الإصلاح بقدرة الإجراءات على تحسين معيشة المواطنين، يشير آخرون إلى أن جزءًا من التحسن الحالي مرتبط بزيادة تدفق الاستثمارات الحقيقية، وليس بالأموال الساخنة قصيرة الأجل. وهذا ما ظهر في توسعات عدد من الشركات العالمية التي أعلنت عن إنشاء مصانع جديدة، وهو ما يعتبره المتخصصون مؤشرًا عمليًا على ثقة المستثمرين في السوق المصري.
ورغم ذلك، يظل التحدي الأكبر—بحسب الرأي الاقتصادي—هو سرعة انعكاس هذه المؤشرات على الحياة اليومية للمواطن. إذ يتطلب الأمر تسريع دعم القطاعات الإنتاجية، وتوفير حوافز أكبر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية لحماية الشرائح الأكثر تأثرًا.
وفي ظل انتشار الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل، يرى الخبراء أن وضوح البيانات الرسمية وسرعة الإعلان عنها عنصر أساسي لتعزيز الثقة. فالسوق يحتاج إلى معلومات دقيقة، خصوصًا في الملفات المتعلقة بجودة المنتجات والخدمات، حتى لا تؤثر الشائعات على حركة الاستثمار أو قرارات المستهلكين.
وفي النهاية، يمكن القول إن مسار الإصلاح الاقتصادي في مصر يُظهر مؤشرات تقدم في عدد من الملفات، لكنه ما زال يتطلب خطوات متوازية تضمن شعور المواطن بالتحسن تدريجيًا. وبين تحسن الأرقام وتحديات الحياة اليومية، يبقى الأمل معقودًا على استمرار الأداء الإيجابي نحو اقتصاد أكثر استقرارًا وقدرة على النمو.














