»» تحولات جذرية ..بين حمام إينال و”ستوريز” تيك توك..!!
بقلم :د. خلود محمود
(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد الدراسات الأدبية بكينج مريوط)
من قلب التاريخ المملوكي، حيث كان الحمام العام مكاناً للنظافة والحياء الاجتماعي، انطلقت الحكمة الشعبية التي صاغت ضمير أجيال “اللي اختشوا ماتوا”قصة تلك النساء اللاتي اخترن الموت حرقاً على أن يخرجن عاريات أمام الغرباء، لم تكن مجرد حكاية تُروى، بل كانت دستوراً غير مكتوب يحكم مفهوم الكرامة والحياء في المجتمع لقرون كان الحياء رداء داخلياً يلف النفس ترعاه مراقبة الله والخوف على السمعة وشرف الأسرة.
لكن النار التي التهمت أجساد العذارى في حمام السلطان “إينال” ذات يوم، تبدو الآن كنار هادئة مقارنة بالحريق الهائل الذي تشنه منصات التواصل الاجتماعي على قيمنا وتراثنا الأخلاقي لقد انقلبت المعادلة رأساً على عقب فلم يعد “الاختشاء” فضيلة، بل تحول إلى “عائق” أمام الشهرة، ولم تعد الأنظار تخشى الله والمجتمع، بل تتسابق على جذب “انتباه” المتابعين.
في هذا العصر الرقمي، يشهد مجتمعنا الذي اشتهر بحفاظه على الأدب والذوق تحولاً جذرياً خطيراً. لقد انتقلنا من حياء الضمير الذي كان يحرس خصوصيات البيوت ويدفع الفتاة لأن تختشي من نظرة الغريب إلى “لا حياء العرض” الذي يدفع بالأسرار العائلية والخلافات الزوجية وكل ما كان “عيباً” إلى واجهة “الستوريز” و”التريندات”، مُغلفاً بشعارات الحرية وكسر التابوهات لقد بات التركيز على الظاهر والإبهار وصار القياس بعدد المشاهدات والإعجابات، فيما يُهمش جوهر القيمة والأخلاق. لقد أصبح “الحياء” سلعة في سوق “اقتصاد الاهتمام” الرخيص، يباع بثمن بخس لشراء شعبية عابرة بينما تحترق قواعد السلوك والتقاليد في صمت ويتحول “اللاحياء” الجديد إلى أقسى أنواع القسوة لأنه يُمارس تحت شعارات براقة تذيب الروابط الإنسانية وتدمر الخلية الأساسية للمجتمع وهي الأسرة.
إننا في عصر وجدنا أنفسنا أمام سؤال مصيري وهو هل نحن أمام مجتمع يتحرر من قيود بالية، أم أمام مجتمع يفقد روحه وهو يلهث وراء سراب الشهرة الرقمية الزائلة؟
سنجيب هنا في تلك السطور ونكتشف سوياً الأجابة.
من قديم الأزل اعتادت اذاننا علي سمع تعليق “اللي اختشوا ماتوا” عندما يقوم شخص بالقدوم علي فعل ينافي قواعد السلوك والاداب دون خجل أو كسوف في مجتمعنا المصري الذي اشتهر بالحفاظ علي قواعد السلوك والاداب والاعراف والعادات والتقاليد واشتهرت نساءه بالخجل والادب والعلم والذوق والجمال..
وتعود القصة الشهيرة لهذا المثل إلى حادث مأساوي وقع داخل حمام حمام السلطان إينال وقد أنشأ السلطان الأشرف أبو النصر سيف الدين إينال هذا الحمام عام 861 هـ / 1456 م في العصر المملوكي كجزء من منشآت الرعاية الاجتماعية التي كانت تخدم العامة ، ويعتبر حمام السلطان “إينال ” أثرًا مميزًا يحمل الرقم 562، ويعكس دور المماليك في الاهتمام بالخدمات العامة وتوفير أماكن نظافة واستحمام للفقراء والعامة ، وفي يوم من الأيام وأثناء استحمام عدد من السيدات، اندلع حريق في إحدى الغرف وبعض النساء خرجن مسرعات لإنقاذ حياتهن دون الالتفات لشكلهن أو ملابسهن التي لا تليق بالخروج أمام الغرباء ، علي الجانب الأخر ظلت النساء الأخريات اللاتي شعرن بالخجل أو “الحياء”، في داخل الحمام والنيران حولهم ورفضن الخروج عاريات، فبقين داخل الحمام ومتن بسبب الحريق ومن هنا نشأت المقولة الشعبية “اللي اختشوا ماتوا”، لتصبح جزءًا من التراث الشعبي المصري .
بدأت حديث بتلك القصة وهذا المثل لأظهر في السطور القادمة كيف انجرف نفر من افراد المجتمع وانعدمت تقاليدهم وكيف تغيرت طبيعة الأفراد في عصر السوشيال ميديا والحياة الرقمية لقد أدت وسائل التواصل الاجتماعي إلى إعادة تشكيل مفاهيم الحياء، الخجل، والعادات والتقاليد بشكل جذري ، وغيرت مفهوم الحياء والخجل من الداخل إلى الخارج فالحياء التقليدي كان مرتبطاً بمراقبة الله أولاً، ثم الخوف من نظرة المجتمع وخوف الشخص على سمعته وأهل بيته.
كان “الحياء” قيمة داخلية تحكم السلوك ، أما الواقع الجديد على السوشيال ميديا فتحول التركيز إلى الظاهر و”الإبهار” وأصبحت المقاييس هي عدد المشاهدات، الإعجابات، والمشاركات وما يحدث “وراء الكواليس” قد لا يكون مهماً طالما الصورة الظاهرة “فيروسية” ومثيرة ، والخجل تحول من كونه صفة تُمدح (كخجل الفتاة أو شباب الحياء) إلى عائق أمام “النجاح” على المنصات وأصبحت الجرأة المفرطة أحياناً (حتى لو كانت على حساب الكرامة أو الخصوصية) طريقاً للشهرة السريعة ، وساعد علي ذلك عدة عوامل يأتي أهمها اقتصاد الاهتمام السوشيال ميديا تُكافئ المحتوى الأكثر إثارة وصدمة وجرأة بغض النظر عن قيمته الأخلاقية هذا يخلق حافزاً مادياً ومعنوياً لتجاوز الخطوط بل والتسابق بين من يطلقون علي نفسهم البلوجر والمؤثرين في ذلك ، هذا بخلاف ثقافة “البوح” والإفراط في المشاركة (Oversharing) التي أصبحت فيه مشاركة أدق تفاصيل الحياة الخاصة والمشاكل العائلية والصدمات الشخصية وسيلة لجذب التعاطف والمتابعين مما أفقد الحياة الخاصة قدسيتها وتفتت المرجعيات ففي الماضي كانت العائلة والمجتمع المحلي والإعلام التقليدي هم المرجع أما الآن كل شخص يصنع مرجعيته الخاصة من “الإنفلونسرز” والمشاهير الرقميين الذين قد يكونون بلا ضوابط تقليدية مع غياب الدور الرقابي للأسرة أو تقبل الأسرة لتلك الأفعال في كثير من الأحيان طالما انها تجلب المال والشهرة لابنائهم ، وانتشرت العولمة الثقافية التي أصبح الشاب فيه بقرية نائية يتأثر بمنشورات “تيك توك” من أمريكا أو كوريا أكثر مما يتأثر بعادات قريته وهذا خلق صداماً بين الأجيال وفجوة في الفهم وعمل علي إعادة تعريف “المقبول” و”المرفوض” ما كان يعتبر سابقاً “عيباً” أو “قلة أدب” (مثل التحدث عن العلاقات الزوجية، أو سب الآباء) أصبح موجوداً في فضاء عام تحت مسمى “الصراحة” و”كسر التابوهات” ، فقدنا السياق فالعادات والتقاليد التي كانت تنشأ في سياق جغرافي واجتماعي محدد تتوارثها الأجيال الأن عندما نقلت إلى الفضاء الرقمي العالمي فقدت حكمتها وعرضت بشكل سطحي همش معناه.
الغريب أن هذا “اللاحياء” الجديد هو أخطر أنواع القسوة لأنه يأتي تحت مظلة “الحرية الشخصية” و”التعبير” في حين أنه يذيب روابطنا الإنسانية الأساسية فعندما يتحول الخلاف الزوجي إلى حرب على “الستوريز”، والأسرار العائلية إلى “تريند”، والكرامة الشخصية إلى مادة استهلاكية فإننا لا ندمر فرداً فحسب بل ندمر الخلية الأساسية للمجتمع.
أن ما نشهده اليوم هو تحول خطير من “حياء الضمير” إلى “لا حياء العرض” لقد باع كثيرون حياء القلب الرصين في سوق الضجيج الرقمي الرخيص، مقابل حفنة من “الإعجابات” عابرة الزمن ولم يفقد المجتمع حياءه بين عشية وضحاها، بل فقدَه قطعة قطعة مع كل سرّ عائلي جرى بثّه على الملأ، مع كل حدّ أخلاقي تم تجاوزه باسم “الحرية”، ومع كل قيمة تراثية تم السخرية منها تحت شعار “التحديث”.
إذن، الجواب على السؤال المصيري الذي طرحناه يتراءى من بين رماد القيم المحترقة ومن خلف بريق الشاشات الزائف فنحن لسنا أمام مجتمع يتحرر من قيم بالية بقدر ما نحن أمام مجتمع يبدد رصيده الأخلاقي والعاطفي الثمين في سوق رقمي لا يرحم ، إنه لا يفقد قيودًا بل يفقد “روحًا” وهي روح الحياء التي كانت حاجزًا واقيًا للكرامة وضامنًا للخصوصية ولحمة تربط الأسرة بعضها ببعض.
نعم، التحول الرقمي والعولمة الثقافية قد يكونان حتميين لكن الاستسلام الأعمى لـ “اقتصاد الاهتمام” هو الخيار الكارثي لقد أصبح اللا حياء عملة متداولة و”الفضيحة” وسيلة للترند و”الأسرة” مسرحًا مفتوحًا للصراع بدل أن تكون حصنًا للإطمئنان ، أن هذا ليس تحررًا بل هو استبدال العبودية للتقاليد بعبودية أكثر فتكًا عبودية الرأي العام الافتراضي والاستعراض للغرباء والتبعية لمعايير الإبهار عديمة الضمير.
أن المجتمع الذي اشتهر نساؤه بالخجل والذوق، ورجاله بالغيرة والكرامة لا يمكن أن يكون مستقبله مبنيًا على نسخة هشة ومزيفة من “الحرية” تذيب كل قداسه وتقطع أواصره والخروج من هذا المأزق لا يعني العودة إلى الماضي أو رفض الوسائط الجديدة بل يعني استعادة الحكمة التي تمييز بين “التحرر الحقيقي” الذي يحترم الكينونة الإنسانية ويبني الشخصية، و”التحرر الوهمي” الذي يهدم الخصوصية ويبيع الكرامة بمشاهدات مؤقتة ربما تحتاج الأجيال الجديدة أن تسمع من جديد حكاية “اللي اختشوا ماتوا”، ولكن ليس كدعوة للهروب من النار بعار بل كرمز للوفاء لمبدأ أعلى المبدأ اليوم ليس الخروج عاريات من حمام يحترق بل هو القدرة على قول “لا” للعرض الرخيص و”نعم” لحياء الضمير الذي يحفظ للإنسان هيبته وللأسرة قدسيتها وللمجتمع تماسكه أن الشجاعة الحقيقية ليست في كسر كل الحواجز بل في بناء حواجز جديدة تحمي ما تبقى من إنسانيتنا في هذا الفضاء الرقمي اللامحدود.














