بقلم : مُصطَفَى أَحمَد عُمَر
(باحث دكتوراه ـأخِصَّائيُّ مَكتَبَاتٍ وَمَعلُومَاتٍ المكتبةَ الرَّقمِيَّةَ ـ جامعةَ المنيا)
تقوم نظريَّات السلوك المعلوماتي Information Behavior Theories على المبادئ والأفكار الخاصة بدراسات السلوك البشري للبحث عن المعلومات، وهي الأساس الذي تقوم عليه العمليات الخاصة بأي نشاط سلوكي يتعلق بالمعلومات، فقد قام الباحثون في مجال المكتبات والمعلومات للاعتماد عليها لدراسة سلوكيَّات البحث عن المعلومات، والإفادة منها أو استخدامها واعتمدوا فيها على نظريَّات السلوك القائمة بالفعل والتي تم تطبيقها في مجالات علميَّة أخرى في علوم الاتصال الإنساني، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، والعلوم البيولوجيَّة، وغيرها من العلوم، ومن أمثلة تلك النظريَّات التي تدرس السلوك البشري في البحث عن المعلومات والتي تم تطبيقها بمجال قياس سلوك المعلومات نظريَّة الأقل جهدًا، ونظريَّة الحياة في الدائرة، ونظريَّة المؤن المثاليَّة (علف المعلومات)، ونظريَّة صنع المعنى، ونظريَّة السلوك المخطط، وفيما يلي استعراض لهذه النظريات:
1- نظريَّة الأقل جهدًا Principle of Least Effort:
إن “نظريَّة الأقل جهدًا” لزيبف هو نظريَّة واسعة النطاق التي تغطي مجالات متنوعة ابتداء من علم الأحياء التطوري إلى تصميم صفحات الويب، ومن المسلمات أن الحيوانات والناس وحتى الآلات المصممة بشكل جيد ستختار بطبيعة الحال المسار الأقل مقاومة أو جهدًا في القيام بالمهام المنوطة بهم، ويرتبط هذا المبدأ ارتباطًا وثيقًا بالعديد من المبادئ الأخرى التي تفسر السلوكيات، ولكن هذه النظرية أكثر انتشارًا بين الباحثين في مجال علوم المكتبات والمعلومات.
إن “نظريَّة الأقل جهدًا” لزيبف من النظريَّات التي تفسر تفاعل الإنسان مع المعلومات، وينص على أن الباحث عن المعلومات يميل إلى استخدام أسلوب البحث الأكثر ملائمة وأقل تعقيدًا، كما يميل إلى استخدام الأدوات الأكثر سهولة والتي توصله إلى نتائج مرضية بغض النظر عن القيمة المعلوماتيَّة للنتائج التي توصل إليها، وأن سلوك البحث عن المعلومات يتوقف بمجرد العثور على أدنى نتيجة مقبولة، بغض النظر عن كفاءة الباحث أو مستوى خبرته في البحث عن الموضوع.
وتعرف نظريَّة الأقل جهدًا” بأنه “وصف حتمي للسلوك البشري”، ولا تنطبق نظريَّة الأقل جهدًا في سياق المكتبات فقط، ولكن أيضًا على أي نشاط للبحث عن المعلومات، فعلى سبيل المثال، يمكن للفرد أن يستشير زميلا غير متخصص قريبا بدلًا من متخصص في مبنى آخر، لذلك طالما كان يتم قبول إجابات غير المتخصص، فنظريَّة أقل جهد مماثل للمسار الأقل مقاومة (Bierbaum, 1990).
إن نظريَّة الأقل جهدًا تفسر سلوك البحث عن المعلومات من منظور واحد فقط وهو اختيار أسهل وسيلة للوصول إلى المعلومات وتتجاهل الظروف التي يتم فيها البحث وقيمة المعلومات بالنسبة للباحث، كما أنه يقارن بحث الإنسان عن المعلومات ببحث الحيوانات عن الطعام اللذين لهما دوافع مختلفة.
2- نظريَّة الحياة في الدائرة Life in The Round:
تنص النظريَّة على أن ظروف الفرد تحدد نظرته للمعلومات وبالتالي تشكل سلوكه نحو استخدام أو عدم استخدام المعلومات، ومفهوم “الحياة في دائرة” وسيلة لفهم سلوك الناس في البحث عن المعلومات في هذا السياق عرفت “تشاتمان “الحياة في دائرة بأنها طريقة الحياة التي من خلالها يفهم الأشياء ضمنيًّا (Chatman, 1999).
وترى “نظريَّة الحياة في دائرة” أن الإنسان يبحث عن المعلومات التي تخص الدائرة التي يعيش فيها وما يتعلق بها فقط وتتجاهل البحث عن المعلومات الثقافيَّة والترفيهيَّة التي تمثل حاجة فطريَّة لدى الإنسان.
3- نظريَّة المؤن المثاليَّة (علف المعلومات) Information Foraging:
تُطبَّق نظريَّة “علف المعلومات” “أفكار نظريَّة “العلف الثاني” لفهم كيفيَّة بحث الإنسان عن المعلومات، وتعتمد النظريَّة على الاقتراض القائل إنه عند البحث عن المعلومات يستخدم الإنسان آليات علف داخلي فطري الذي يساعد أسلاف الحيوانات في العثور على الطعام، وتري النظريَّة أن الفهم الجيد لسلوك الإنسان في البحث سوف يحسن قابليَّة استخدام المواقع الإلكترونيَّة (Bryant, 2014).
يُعدُّ مفهوم “علف المعلومات” من بين أهم النظريَّات التي برزت حديثًا في علم تفاعل الإنسان مع الآلة، وتسعى النظريَّة إلى فهم الكيفيَّة التي يقوم بها مستخدم الإنترنت في البحث عن المعلومات عن طريق تتبع الهدف، فيحدد الباحث نوع المعلومات التي يبحث عنها، ويقرر البقاء على الموقع الحالي أو الاستمرار في البحث عن معلومات إضافيَّة، أو ينتقل إلى موقع آخر.
على الرغم من أن الإدراك البشري ليس نتيجة ضغط تطوري لتحسين استخدام الإنترنت، لكن صفات البقاء للرد بسرعة على المعلومات الجزئيَّة وتقليل الجهود يجبر على تحسين سلوك البحث، في الوقت نفسه تقلل من التفكير المطلوب (Sandstrom, 2010).
وقد تحدثت نظريَّة “علف المعلومات” عن وجود وثيقة بين سلوك البحث عن المعلومات وسلوك البحث عن الطعام لدى الحيوانات من حيث إن كليهما فطريتان يتم بطريقة غير واعية، وهذا الافتراض لا يفسر البحث عن المعلومات بغرض الدراسة أو البحث العلمي.
4- نظريَّة صنعِ المعنى Sense-Making Theory:
تطورت نظريَّة صنع المعنى لـ دارفين على مدى عدة سنوات، ولا يمكن النظر إليها على أنها نموذج لسلوك البحث عن المعلومات فقط، بل هي مجموع من الافتراضات والمنظور النظري، والعمل المنهجي، ومجموعة من طرق البحث وممارسة مصممة للتعامل مع المعلومات التي ينظر إليها على أنها أداة بشريَّة مصممة لفهم الواقع المفترض أنه فوضوي ومنظم على حد سواء، ويتم تطبيقه على أساس أربعة عناصر:
ـ الحالة والزمان والمكان الذي يعرف السياق الذي يتم فيه إثارة الحاجة المعلوماتيَّة.
ـ الفجوة (Gap) بين الحالة الحاليَّة والحالة المطلوبة.
ـ النتيجة (Outcome) من عمليَّة صنع المعني.
ـ الجسر(Bridge) وهي بعض الوسائل لسد الفجوة بين الحالة والنتيجة.
إن قوة نموذج دارفين تكمن في نتائجه المنهجيَّة حيث إنه يؤدي إلى معرفة طبيعة المشكلة عند الحاجة إلى المعلومات وكيف تستطيع المعلومات إزالة الفجوة والشك والارتباك بين الحاجة والنتيجة، إن تطبيق النموذج في عمليَّة المقابلة المرجعيَّة ستؤدي إلى رؤيَّة واضحة تحدد حاجة المستخدمين من جهة وتصميم وتقديم معلومات متميزة من جهة أخرى (Spurgin, 2006).
تركز نظريَّة صنع المعنى على البعد المعرفي للسلوك المعلوماتي، فهي تشبه حياة الانسان بالرحلة التي لا يرتبط فيها العامل الزماني بالمكاني ويصل فيه الانسان إلى فجوات معرفيَّة لا بد من عبورها حتى يستطيع إكمال رحلته، هذه الفجوات هي الحاجة للمعلومات، ولعبورها لا بد من إشباع هذه الحاجة واكتساب معلومات ومعارف جديدة.
5- نظريَّة السلوكِ المُخطَّطِ Theory of planned Behavior:
تقوم هذه النظريَّة على افتراض أن الفرد لديه المنطق في الاستخدام المنظم لما هو متاح له من معلومات التي ينتج عنها السلوك، أي أنها تركز على استخدام مكونات الفرد الداخليَّة كالمعتقدات والاتجاهات لشرح سلوكه والتنبؤ به.
تفترض نظريَّة السلوك المخطط بأن المتغير الذي يسبق السلوك هو ما يعرف بالقصد (النيَّة) السلوكي (Behavioral Intention) الذي يشير للاحتمال الأقوى والأرجح الذي يجذب الفرد تجاه سلوك معين ويجعله عازمًا على فعله.
ويرتبط القصد السلوكي في أنموذج هذه النظريَّة بمتغيرات خمسة وهي:
1. الاتجاه نحو السلوك (Attitude Toward Behavior): يشمل مشاعر وأحاسيس الفرد التي تؤيد أو تعارض أداءه لسلوك في موقف معين.
2. المعتقدات السلوكيَّة (Behavioral Beliefs): تشمل معتقدات الفرد التي توجه أداءه وتقود سلوكه نحو مخرجات ونتائج محددة.
3. المعيار الشخصي أو الذاتي (Subjective Norm): يشمل وعي الفرد لرغبات وأمنيات المجتمع بخصوص أدائه أو عدم أدائه لسلوك معين، ومصدر المعيار الشخصي هذا هو الضغط الاجتماعي المدرك الذي يواجهه الفرد لأداء أو عدم أداء سلوك معين.
4. المتغيرات المعياريَّة (Normative Beliefs): يقاس في ضوئها المعيار الشخصي حيث تشمل المعتقدات ذات العلاقات والصلات الخاصة التي ينوي في ضوئها الفرد ما إذ كان يجب أو لا يجب عليه أداء سلوك معين.
5. الضبط السلوكي المدرك (Perceived Behavioral Control): الذي يشير إلى الثقة المدركة من قبل الفرد بقدرته الذاتيَّة على أداء سلوك ما في موقف معين وهذا المتغير يؤثر مباشرة في بناء القصد السلوكي للفرد.
وهكذا فإن نظريَّة السلوك المخطط تتضمن فكرة مفادها بأن القصد السلوكي يكون أعظم عندما يحمل الفرد اتجاهات إيجابيَّة نحو السلوك، مع التميز بمعيار شخصي قوي بشأن ذلك السلوك، وتوقع إن يتمكن من أداء السلوك بنجاح (علي، 2017).
* المراجع العربية:
علي، نجلاء فتحي عبد الفتاح. (2017). بناء قائمة معايير للسلوك المعلوماتي فى البيئات الرقمية. المجلة المصرية للمعلومات، (20)، 8-15.
* المراجع الاجنبية:
Bierbaum, E. G. (1990). “Save the Time of the Reader”: A Paradigm for the’90s. American Libraries, 21(1), 18-19.
Bryant, D. (2014). Information foraging theory: A framework for intelligence analysis.
Chatman, E. A. (1999). A theory of life in the round. Journal of the American Society for Information Science, 50(3), 207-217.
Sandstrom, P. E. (2010). Information Foraging Theory: Adaptive Interaction with Information. Journal of the american society for information science and technology, 61(10), 2161-2164.
Spurgin, K. M. (2006). The sense-making approach and the study of personal information management. Proceedings of the PIM, 102-104.














