ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفنا اليوم الشاعر محمد فتحي السباعي ، الذي أهدي بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” قصيدته “بحبِّك يا مصر”،ننشرها عبر هذه السطور.
بحبِّك يا مصر
🇾🇪
بحبِّك يا مصر
حبّ ما لوش جسد
حبّ يخرج من ظلّ الروح
زي وشم قديم
اتحفر على ضهر الزمان
قبل ما الزمن يبقى زمن.
…
يا مصر..
إنتِ مش أرض
إنتِ فكرة الله
لما فكّر يخلق الدهشة
ويحطّها بين نيل
وبيوت طين
ويقول للعالم:
“هنا تبدأ الحكاية.”
…
أسوان..
مدينة مش مدينة..
مدينة تتنفس ببطء
زي شيخ نايم على صخرة،
وصدره يطلع وينزل
بنفس وزن النيل.
في أسوان…
يتحرّك الفجر بقدمين قديمتين
ويحطّ إيده
على كتف النهار
ويقول له:
“قوم..
في ناس عايزة نور.”
هناك..
تسمع لغة مش مفهومة،
لغة صخر..
لغة مية..
لغة ناس ما بتموتش،
مجرد تغيّر شكلها
وتفضل عايشة في الهوا.
…
ومن أسوان تطلع..
تمشي على ضهر مصر
زي ما تمشي على ظهر مَلِك،
كل خطوة فيك
ترجّف معنى
كان نايم من ألف سنة.
وفي الأقصر..
تدخل معبد
مش مبني بالحجر،
مبني بالحكايات
اللي ما تعرفش تموت.
وتشوف كهنة الزمن
واقفـين جنبك
من غير ما تحس،
يعدّوا دقّات قلبك
ويقولوا:
“ده ابن بلد..
لسّه بيحلم.”
…
وفي العلمين…
تلاقي الحرب
مش حرب..
تلاقيها عظمة قديمة
لسّه بترتعش
من صرخة جندي
ما خلصتش
حتى بعد الموت.
الرمل هناك
مش رمل..
ده جلد الأرض
لما تتحمّل
أكتر من طاقتِها.
…
ولمّا توصل طابا..
تحس إن الجبل
مش واقف..
ده ساجد.
والبحر
مش بحر..
ده عين واحدة
شايلة صورة مصر
جوه النور الأزرق
من يوم الخلق.
هناك..
الموج يكلّمك
لهجة صوفية،
والصخرة
تحفظ السرّ
زي وليّ مستخبّي
في هيئة جبل.
…
وتطلع على إسكندرية..
مدينة لو مسكت الهوا فيها
تلاقي فيه رائحة
جيل،
وتعب،
وكتب ضايعة،
وشعراء ناموا
على ركب الموج
ومفيش موجة
قدرت تمحي صوتهم.
إسكندرية..
مدينة رطبة
من كثرة الذكريات،
جدرانها
تحفظ وجوه
ما اتولدتش لسه،
كأنها أمّ
شايلة كل الأطفال
اللي هيتولدوا بكرة.
…
وتنزل على الدلتا..
تلاقي زِفْتى
ماشية في الشوارع
زي ست قلبها غضبان
بس طيبة…
تزعّق
وتحضن
وتسامح
وتثور
وتضحك في آخر اليوم
وتقول:
“البلد دي ليّ…
مش للخواجات.”
وفي مسجد وصيف..
تحس إن السجدة
أعمق من الأرض،
وإن الأرض
ألين من القلب،
وإن القلب
أوسع من السما،
وإن السما
أصغر من دمعة واحدة
نزلت لله بصدق.
…
وفي مصر الوسطى…
تلاقي ناس
لو فتحت صدرها
تشم ريحة سنين
ما اتحكتش،
وريحة طفولة
ما ماتتش،
وريحة تراب
ما يتدفنش.
…
وفي القاهرة…
تلاقيني.
أنا.
ابنك.
المشغول بعشقك
قدّ الشوارع،
وقدّ العرق اللي نازل من جبين عامل
بيجري على رزقه،
وقدّ ضحكة صبي
بيبيع مناديل عند الإشارة
ومش خايف من بكرة.
وفي وسط الزحمة…
أسمع أنيس منصور
بيقول:
“مصر بتخلّص الروح
من غربة الروح.”
وأشوف العقاد
مسلّح بالكُتب،
واقف زي جيش لوحده،
وبيمشي في الحارة
زي فارس
محدّش يقدر يبصّ له.
وأشوف مجدي يعقوب
قلوب الناس
ماشية وراه
زي طيور
بتدور على دفا.
وزويل…
اللي مسك اللحظة
وحوّلها إلى وطن.
ومحمد فوزي..
اللي غنّى للوجع
لحد ما الوجع
رقص.
…
يا مصر…
أنا مش بحبّك.
أنا مخلوق منك.
مجبول على طينك،
مخلوق على صورتك،
ومكتوب على جبيني
إن عمري
مش هيتفصّل
غير على مقاسي.
…
يا مصر..
لو حاولوا يبعدوني..
أنا هبعد عن جسمي،
مش عنك.
ولو شنقوني..
هيلاقي الهوا بينطق:
“ده ابن بلد…
ما ماتش…
ده اتردّ.”
يا مصر..
إنتِ
الوحيدة
اللي لو انطفى النور..
تولّعيه بدمعة،
ولو جفّت الأرض..
تورّثيها
لضحكة طفل.
…
بحبِّك..
بحبِّك..
بحبِّك يا مصر..
حبّ
مالوش وصف،
مالوش نبرة،
مالوش آخر…
حبّ
يمشي في عظامي
زي نبض
مش عارف
يرجع لربّه
🍂














