بقلم: أحمد شتيه
في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في مسار الدولة المصرية نحو امتلاك أدوات المستقبل، أعلنت مصر دخولها الرسمي إلى مجال فيزياء الفضاء عبر القمر الصناعي المتخصص SPNEX، في حدث علمي واستراتيجي يتجاوز كونه إنجازًا تقنيًا ليؤسس لمرحلة جديدة من الحضور المصري في واحد من أدق وأعقد مجالات العلوم الحديثة.
اقتحام محسوب لمجال شديد الحساسية
لطالما ارتبطت فيزياء الفضاء بالدول الكبرى صاحبة القدرات العلمية المتقدمة، لما يتطلبه هذا المجال من بنية تحتية بحثية، وكوادر بشرية عالية التأهيل، وتكلفة مالية ضخمة. دخول مصر هذا المضمار عبر SPNEX يؤكد أن القرار لم يكن ارتجاليًا، بل ثمرة تراكم علمي وخطة دولة تستهدف توطين علوم الفضاء، لا الاكتفاء بدور المستخدم أو المتلقي للتكنولوجيا.
القمر SPNEX يمثل منصة علمية متخصصة لدراسة الظواهر الفيزيائية المرتبطة بالفضاء القريب من الأرض، مثل تأثيرات الإشعاع والطقس الفضائي، وهي ملفات باتت تمثل تحديًا مباشرًا لأمن الاتصالات والملاحة والأقمار الصناعية حول العالم.
أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند حدود البحث الأكاديمي، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية تمس الأمن القومي التكنولوجي. فهم التفاعلات الفيزيائية في الفضاء يمنح الدولة قدرة أفضل على حماية أقمارها الصناعية، وتأمين شبكات الاتصالات، وتقليل المخاطر المرتبطة بالعواصف الشمسية والتشويش الفضائي.
كما يضع SPNEX مصر ضمن الدول القليلة في المنطقة القادرة على إنتاج بيانات علمية فضائية أصلية، وهو ما يعزز استقلال القرار العلمي ويقلل الاعتماد على مصادر خارجية في مجالات حساسة.
على الصعيد العلمي، يفتح القمر SPNEX آفاقًا واسعة أمام الجامعات ومراكز البحث المصرية، ويمنح الباحثين فرصة نادرة للعمل على بيانات حقيقية في مجال فيزياء الفضاء، بدل الاكتفاء بالنماذج النظرية أو التعاون المحدود مع الخارج.
هذه الخطوة تمثل استثمارًا مباشرًا في العنصر البشري، وتسهم في خلق جيل جديد من العلماء والمهندسين المتخصصين في علوم الفضاء، بما يدعم توجه الدولة لربط البحث العلمي بالصناعة والتطبيقات التكنولوجية المتقدمة.
دوليًا، يعزز SPNEX مكانة مصر كشريك علمي موثوق في مشروعات الفضاء، ويفتح الباب أمام شراكات بحثية مع وكالات فضاء ومراكز أبحاث عالمية.
فالدول لا تُقاس اليوم فقط بقوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والمساهمة في العلوم الكونية المشتركة.
امتلاك مصر لقمر متخصص في فيزياء الفضاء يمنحها صوتًا مسموعًا في المنتديات العلمية الدولية، ويعزز من قوتها الناعمة العلمية، خاصة في محيط إقليمي يفتقر لمثل هذه المشروعات المتقدمة.
ما حققته مصر بإطلاق القمر SPNEX ليس مجرد إنجاز فضائي، بل إعلان واضح بأن الدولة قررت أن تكون فاعلًا لا تابعًا في سباق العلم. اقتحام مجال فيزياء الفضاء رسالة بأن الاستثمار في المعرفة بات خيارًا استراتيجيًا، وأن المستقبل يُبنى بالعقول قبل المعدات.
إنها خطوة تليق بدولة تدرك أن السماء لم تعد حدًا للطموح، بل بداية الطريق.













