بقلم : د. ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس)
في أوقات الأزمات، تتغير وظيفة الإعلام من مجرد وسيلة لنقل الأخبار إلى عنصر رئيسي في إدارة الحالة العامة للمجتمع. فالكلمة التي تُقال في لحظة اضطراب، والصورة التي تُبث في وقت قلق، قد تكون أكثر تأثيرًا من الحدث نفسه. ولهذا، يصبح الإعلام شريكًا مباشرًا في تشكيل مشاعر الناس، إما بالتهدئة وبث الطمأنينة، أو بإثارة الخوف وزيادة الارتباك.
والأزمات، بطبيعتها، تولّد حالة من القلق الجماعي، لأن الإنسان بطبعه يخشى المجهول. ومع تصاعد الأحداث، يتجه المواطن إلى الإعلام بحثًا عن تفسير وشرح واطمئنان. وهنا تتضاعف مسؤولية الرسالة الإعلامية، لأن الجمهور في هذه اللحظات لا يملك رفاهية التحليل أو التحقق، بل يكون أكثر قابلية للتأثر والتصديق. وبالتالي، فإن أي خطأ في الصياغة، أو مبالغة في العناوين، أو تداول غير دقيق للمعلومات، قد يحوّل القلق الطبيعي إلى خوف عام يصعب السيطرة عليه.
ومن جهة أخرى، يمتلك الإعلام قدرة حقيقية على احتواء الأزمات إذا التزم بالمهنية والوعي. فالإعلام المسؤول لا يلهث خلف السبق فقط، بل يضع نصب عينيه أثر ما يُنشر على المجتمع. وهو إعلام يحرص على تقديم المعلومة كاملة، في سياقها الصحيح، مع توضيح ما هو مؤكد وما هو قيد التحقق، بدلًا من ترك المجال مفتوحًا للتكهنات والتأويلات. كذلك، فإن اختيار المصطلحات ونبرة الخطاب لهما دور بالغ الأهمية؛ فهناك فرق كبير بين خطاب يشرح الواقع بهدوء، وخطاب يعتمد على لغة التخويف والإثارة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تكرار المشاهد الصادمة، وبث الأخبار السلبية على مدار الساعة، قد يؤدي إلى إنهاك نفسي جماعي. فالمتلقي، حين يتعرض بشكل مستمر لرسائل تحمل القلق والخطر، يبدأ في الشعور بالعجز وفقدان السيطرة، وهو ما ينعكس على سلوكه اليومي، وقد يدفعه إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية. ومن هنا، يتحول الإعلام — دون أن يقصد أحيانًا — إلى جزء من الأزمة بدلًا من أن يكون أداة للمواجهة.
وفي المقابل، يبرز الدور الإيجابي للإعلام حين يوازن بين نقل الحقيقة والحفاظ على الاستقرار النفسي للمجتمع. فإبراز جهود الدولة والمؤسسات في إدارة الأزمة، وإتاحة المجال للخبراء والمتخصصين لشرح الموقف علميًا وموضوعيًا، يساهم في بناء الثقة، ويعزز شعور المواطن بأن هناك رؤية وخطة للتعامل مع الأحداث. كما أن تسليط الضوء على نماذج التضامن المجتمعي والتكاتف الإنساني يبعث برسائل أمل، ويؤكد أن المجتمع قادر على تجاوز المحن إذا تماسك أفراده.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن إغفال الدور المتزايد للإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الأسرع والأوسع انتشارًا للمعلومات، خاصة بين الشباب. فرغم ما تتيحه هذه المنصات من سرعة وتفاعل، إلا أنها تمثل بيئة خصبة لانتشار الشائعات والأخبار غير الموثقة، خاصة في أوقات الأزمات. وهنا تظهر خطورة “الخبر المبتور” أو “الفيديو خارج السياق”، الذي قد يُعاد تداوله آلاف المرات قبل أن يتم تصحيحه.
وفي هذا السياق، تزداد أهمية الإعلام المهني في التصدي للمعلومات المضللة، من خلال سرعة التوضيح، وتصحيح الشائعات، وتقديم خطاب عقلاني متزن، يواجه الفوضى الرقمية بالحقائق لا بالانفعال. فالصمت الإعلامي أحيانًا يترك فراغًا تملؤه الشائعات، بينما الحضور الواعي يقطع الطريق على التضليل ويعيد توجيه الرأي العام نحو الفهم السليم.
كما أن للأسرة دورًا لا يقل أهمية، يتمثل في توعية الأبناء بكيفية التعامل مع الأخبار وقت الأزمات، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر أو يُتداول. فتعليم الشباب مهارات التفكير النقدي، والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، أصبح ضرورة ملحّة في عالم تتزاحم فيه المعلومات دون ضوابط واضحة.
لذا، يمكن القول إن الإعلام وقت الأزمات يقف أمام اختبار حقيقي لمهنيته وضميره.
فإما أن يكون جسرًا يعبر بالمجتمع إلى برّ الأمان، أو يتحول — بقصد أو دون قصد — إلى عامل مضاعف للأزمة. والفارق بين الطريقين هو الوعي بالمسؤولية، والإيمان بأن الكلمة أمانة، وأن طمأنينة الناس لا تقل أهمية عن حقهم في المعرفة. فالإعلام الواعي لا يُخفي الحقيقة، لكنه يقدّمها بإنسانية، ويُدرك أن دوره في اللحظات الحرجة هو حماية الوعي، ودعم الاستقرار، والمساهمة في عبور الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.














