كتب – عبدالرحمن أبوزكير
أصدرت محكمة أبو تشت الجزئية، برئاسة القاضي إسلام محمود أبو ناجي، حكمًا تاريخيًا في قضية إقامة مبانٍ على أرض زراعية، لتبرئ المواطن محمد زكي محمد رسلان من التهمة الموجهة إليه.
ويأتي هذا الحكم ليؤكد نزاهة القضاء المصري وحرصه على تحقيق العدالة وفق القانون، مع الالتزام بالقيم الدينية، حيث ربطت المحكمة قرارها بالآيات القرآنية التي تكرم بيوت الله وفضل من يشارك في بنائها.
وقالت المحكمة في مستهل حكمها: “لقد أرست المحكمة مبدأ واضحاً بأن الشك في التهمة، خاصة عند وجود دليل وحيد وظني، كافٍ لبراءة المتهم، وهو ما يعكس حكمة القضاء المصري وعدالته.”
تفاصيل جلسة المحكمة
عُقدت الجلسة علناً بسراي محكمة أبو تشت، بحضور رئيس المحكمة القاضي إسلام محمود أبو ناجي، ووكيل النيابة كريم هارون، وأمين السر عصام النمر. وقد أسندت النيابة للمتهم تهمة إقامة مبانٍ على أرض زراعية قبل تحرير المحضر الرسمي، مطالبة بتطبيق المواد 151، 152، 155، 156 من القانون رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقوانين 119 لسنة 1983 و20 لسنة 1985.
حضر المتهم الجلسة قانوناً، ووكيل عنه محامياً، وتم تعديل القيد والوصف واسم المتهم وفق المستندات المقدمة، كما قدم محامي المتهم حافظة مستندات تضمنت طلب البراءة، مؤكدًا أن المبنى محل النزاع عبارة عن مسجد تم بناؤه بمشاركة جميع أهل القرية.
شهادة محرر المحضر تكشف الحقيقة
أثناء الجلسة، تم الاستماع إلى محرر المحضر، الذي أفاد بأن: “عين الإتهام بالفعل مسجد، وأن جميع أهالي المنطقة شاركوا في بنائه”. وقد تم تسجيل هذه الأقوال بمحضر الجلسة، ما دعم موقف الدفاع، وأكد أن الواقعة المنسوبة للمتهم خيمت عليها ظلال الشك، وأن التهمة لا تستند إلا إلى أقوال محرر المحضر وظنية المصدر، دون وجود أي دليل مادي آخر.
المحكمة تؤكد مبدأ الشك لصالح المتهم
في مستهل قرارها، ذكرت المحكمة أنه وفقاً للطعن رقم 90 لسنة 39 ق جلسة 5/5/1999: “لم تشترط المادة 300 من قانون الإجراءات الجنائية أن يتضمن الحكم بالبراءة أموراً أو بيانات أسوة بأحكام الإدانة، ويكفي لسلامة الحكم بالبراءة أن تشككت المحكمة في صحة إسناد التهمة إلى المتهم، وأن يتضمن ما يدل على عدم اقتناعها بالإدانة، وهي غير ملزمة بأن ترد على كل دليل من أدلة الاتهام.”
وأكدت المحكمة أن الواقعة المنسوبة للمتهم “خيمت عليها ظلال كثيرة من الشك، حيث أن دليل الاتهام الوحيد كان أقوال محرر المحضر والتي جاءت مرسلة وظنية ولا يعضدها أي دليل آخر”.
دفاع المتهم وشيوع التهمة
قدّم محامي المتهم دفاعاً قائلاً إن المبنى محل النزاع هو مسجد تم إنشاؤه بمشاركة جميع أهل القرية، وأنه من غير الممكن تحديد مرتكب الواقعة لإدانته. وقد أكد هذا الرأي محرر المحضر نفسه عند استجوابه أمام المحكمة، ما دفع المحكمة إلى الاطمئنان لدفاع المتهم.
وقالت المحكمة: “اطمأنت المحكمة لما قرره دفاع المتهم وأيدته معاينة محرر المحضر وأقواله، والتي أفادت بأن عين الإتهام عبارة عن مسجد تُقام فيه الصلوات، وجميع أهل المنطقة شاركوا في بنائه، ومن ثم تطمئن المحكمة إلى قولة وكيل المتهم ودفاعه بشيوع الاتهام.”
تقدير المحكمة للجانب الديني للمبنى
أشادت المحكمة بالدور الروحي للمسجد، مستندة إلى القرآن الكريم، حيث ذكرت: “إن الله سبحانه وتعالى قال في محكم التنزيل: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال} [النور:36] و{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة:18] و{الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} [التوبة:20]”.
وأضافت المحكمة: “فإذا كان ذلك، وكان الله تعالى قد أذن من فوق سبع سماوات بإنشاء تلك العين محل الاتهام، وهي بيت من بيوته يُذكر فيها اسمه، وتُقام فيه الشعائر والصلوات والعبادات، كما أن مرتكب الواقعة عند ربه من الفائزين وله ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، فكيف للمحكمة أن تقضي بعقاب وإدانة من أذن الله له بالبناء للعين لتقام فيها الشعائر والعبادات ويُجزى عن ذلك خير الجزاء؟، وبالتالي، فالأجدر بالمحكمة أن تبرئ المتهم لا أن تدينه، وتقضي ببراءته عملاً بنص المادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية.”
الحكم النهائي: براءة المتهم
استناداً إلى ما تقدم، قضت محكمة أبو تشت الجزئية حضورياً ببراءة محمد زكي محمد رسلان من التهم المنسوبة إليه، وفق نص المادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية، مؤكدة حرص القضاء على حماية حقوق المواطنين وتحقيق العدالة، خاصة عند شيوع التهمة وعدم وجود دليل قاطع. وأكدت المحكمة في منطوق حكمها: “لذلك، حكمت المحكمة ببراءة المتهم مما نسب إليه من اتهام.”
القضاء المصري نموذج للعدالة والقيم الدينية
هذا الحكم يعكس حرص القضاء المصري على تطبيق القانون بعدالة، وحماية المجتمع من الاتهامات الظنية، مع تقدير عالٍ للجانب الديني للمباني التي تُقام للعبادة. ويُظهر قرار المحكمة كيف يمكن للقضاء أن يجمع بين العدالة والقيم الدينية، بما يضمن حقوق المواطنين ويكرم بيوت الله ويعزز ثقة المجتمع في النظام القضائي.














