بقلم :مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والإعلامية)
لا تسقط الدول حين تُهزم جيوشها فقط، بل حين يُصاب وعي شعوبها بالارتباك. فالهزيمة الحقيقية لا تبدأ على الحدود، وإنما في العقول، حين تختلط الحقائق بالشائعات، ويتحول السؤال المشروع إلى شك دائم، ويصبح الضجيج بديلاً عن الفهم.
في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا ضابط، لم يعد الخطر في نقص المعرفة، بل في فائضها المشوَّه. آلاف الرسائل تصل إلى المواطن كل يوم، لكن القليل منها فقط يملك قيمة حقيقية، بينما الباقي يزرع القلق ويغذي سوء الفهم. وهنا يتقدّم الوعي ليصبح خط الدفاع الأول عن الدولة، والركيزة التي لا غنى عنها لأي مشروع استقرار أو تنمية.
ولأن الوعي لا يتشكل من فراغ، فإن الإعلام يتحمّل مسؤولية محورية في هذه المعركة. فالإعلام الوطني ليس مجرد ناقل للأخبار، بل وسيط للفهم، ومترجم للسياسات العامة، وجسر يربط بين القرار والمواطن. الدولة التي تتخذ قراراتها دون خطاب إعلامي واضح، تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة سيل من التفسيرات المتناقضة، بعضها بريء وأكثرها مسيّس أو موجَّه.
لم تعد الدولة الحديثة مطالبة فقط باتخاذ القرار، بل بشرحه، وتفكيكه، ووضعه في سياقه الحقيقي. وهنا يظهر دور الإعلام المهني القادر على طرح الأسئلة دون تهوين أو تهويل، وعلى تقديم المعلومة دون تجميل أو تشويه. فالمواطن لا يطلب تبريرًا، بقدر ما يطلب فهمًا، ولا يبحث عن خطاب إنشائي، بل عن إجابة واضحة لسؤال بسيط: ماذا يحدث ولماذا؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة هو فراغ في الفهم العام. فعندما يغيب الإعلام الرشيد، تتقدّم الشائعة، ويتحول «التريند» إلى مصدر، والرأي إلى حقيقة، والانفعال إلى بديل للعقل. في هذا المناخ، لا تُدار النقاشات، بل تُستدرج الصراعات، ويُستنزف الرصيد المعنوي للدولة دون داعٍ.
الإعلام الواعي لا يروّج ولا يحرّض، بل يشرح ويضيء. لا يصطف ضد الدولة، ولا يتحول إلى بوق لها، بل يقف في المسافة الصحيحة التي تحمي المصلحة العامة. وهو حين يفعل ذلك، يصبح شريكًا حقيقيًا في البناء، لا شاهدًا محايدًا على الفوضى.
إن الاستثمار في وعي الناس هو استثمار طويل الأمد، لا تظهر نتائجه سريعًا، لكنه وحده القادر على حماية ما يُبنى من طرق ومصانع ومشروعات. فالخرسانة قد تتآكل، والإنجازات قد تُنسى، لكن الإنسان الواعي يظل الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة وقدرتها على العبور إلى المستقبل.
وفي النهاية، قد تنجح الدولة في بناء البنية التحتية، لكنها لن تنجح في بناء المستقبل، ما لم تجعل من الإعلام والوعي مشروعًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو أمني.














