بقلم: أحمد شتيه
في خطوة تحمل دلالات عميقة على تحول حقيقي في فكر التنمية المحلية، أٌعلنت مدينة رأس البر بمحافظة دمياط كأول مدينة خالية من الكربون في دلتا مصر، لتدخل المدينة الساحلية العريقة مرحلة جديدة عنوانها الاستدامة والوعي البيئي والتنمية الذكية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة والشعارات الرنانة.
هذا الإعلان لا يمكن فصله عن التوجه العام للدولة المصرية نحو الاقتصاد الأخضر ومواجهة تحديات التغير المناخي، لكنه في حالة رأس البر جاء نتاج عمل ميداني وجهود متراكمة، لا قرارًا إداريًا معلقًا في الهواء.
التحول إلى مدينة خالية من الكربون لم يبدأ بالإعلان، بل سبقه عمل دؤوب على أكثر من محور.
فقد شهدت رأس البر توسعًا ملحوظًا في المساحات الخضراء والتشجير المكثف داخل الشوارع والميادين الرئيسية، بما يسهم في امتصاص الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء، إلى جانب تحسين المشهد الحضري للمدينة.
كما تم تطبيق خطوات عملية في إدارة المخلفات عبر نشر صناديق حديثة لفصل النفايات من المصدر، خاصة في المناطق السياحية وممشى النيل واللسان، في إطار منظومة متكاملة تهدف إلى تقليل التلوث وتعزيز ثقافة إعادة التدوير.
ولم تغب مشاركة المجتمع المحلي عن المشهد، حيث جاءت العديد من أعمال التطوير والتجميل بالتعاون مع الأهالي والجهات التنفيذية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حماية البيئة مسؤولية جماعية وليست مهمة حكومية فقط.
يحمل إعلان رأس البر مدينة خالية من الكربون عدة أبعاد مهمة، في مقدمتها البعد البيئي، حيث تمثل الخطوة استجابة مباشرة لمخاطر التغير المناخي، خاصة أن المدينة تقع في نطاق ساحلي شديد الحساسية لأي اضطرابات بيئية.
أما البعد الاقتصادي، فيتمثل في تعزيز فرص الاستثمار السياحي المستدام، وجذب أنماط جديدة من السياحة البيئية التي باتت تحظى باهتمام عالمي متزايد، ما ينعكس إيجابًا على فرص العمل والدخل المحلي.
سياسيًا وتنمويًا، يضع الإعلان محافظة دمياط في موقع متقدم ضمن خريطة المحافظات الساعية لتطبيق رؤية مصر 2030، ويمنحها ميزة تنافسية باعتبارها سباقة في تبني نموذج المدن النظيفة داخل دلتا النيل.
على المدى القريب، يلمس المواطن والزائر تحسنًا مباشرًا في جودة الهواء، وزيادة الرقعة الخضراء، وانضباط المشهد العام، وهو ما ينعكس على الصحة العامة والحالة النفسية وجودة الحياة اليومية.
أما على المدى البعيد، فإن رأس البر مرشحة لتكون نموذجًا وطنيًا يُحتذى به في التحول البيئي، وقاعدة انطلاق لتجارب مماثلة في مدن الدلتا الأخرى، فضلًا عن مساهمتها في خفض البصمة الكربونية وتحقيق التزامات مصر البيئية على المستويين الإقليمي والدولي.
إعلان رأس البر مدينة خالية من الكربون ليس ترفًا بيئيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات المستقبل.
النجاح الحقيقي لن يُقاس باللافتات أو البيانات، بل بالاستمرارية والرقابة والتوسع المدروس. فإذا ما تم البناء على هذه الخطوة بجدية، فإن رأس البر لن تكون فقط مدينة بلا كربون، بل مدينة بلا ضجيج، بلا فوضى، وبلا تلوث… مدينة تليق بالمستقبل.














