# من أول السطر
مع البدايات الأولى لعام 2026 يبدو أن عالم اليوم قد أصبح علي موعد مع ملامح مرحلة جديدة ومغايرة تتجاوز كافة الحسابات والتوقعات الچيوسياسية..
فهل هي إشارات لنمط مغاير من العلاقات بين الدول ولتفعيل قوانين عصر “ما بعد القوة”،التي تتجاوز كافة التقاليد والأعراف والتعهدات الأممية وحدود الزمان والمكان، وتنذر باختلال منظومة القيم الإنسانية واختلال المعايير الحاكمة؟!.
والناظر إلي مؤشرات ومعطيات الواقع خلال الشهور الأخيرة من عمر الإدارة الأمريكية سيجد أنها تشي بالحقيقة، فهي تقود نظاما دوليا جديدا يجمع ما بين مقابح النهم الاستعماري ووحشية الرأسمالية “المنطلقة” ،فلا صوت يعلو فوق صوت القوة الفائقة والهيمنة اللامحدودة التي تتجاوز المفاهيم التقليدية لعصر القوة، وتسير بنا نحو المجهول!.
وبين عشية وضحاها استيقظت شعوب المعمورة علي خبر العدوان “اللاخلاقي” ـ مهما كانت الأسباب والدوافع والمبتغيات والمبررات ـ علي دولة “فنزويلا” بدون سابق إنذار.
جاء الهجوم الأمريكي مدعوما بمعلومات استخباراتية ـ خاطفا وسريعا ومركزا، عبر تسليط ضربات جوية لعدة مواقع عسكرية انتهت سريعا باعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ، لكنها خلفت عشرات الرسائل وعلامات الاستفهام الباحثة عن إجابات مقنعة وشافية.
كما أنها انتهكت حصانة دولة ذات سيادة وخالفت العشرات من مواد القانون الدولية ـ المعطلة حتي حين ـ وأعلنت سقوط أقنعة العدالة وإحلال السلام ودعم الانتقال الديمقراطي..
وأمست الشرعية والاعراف الدولية والقوانين الأممية صرحا “معنويا” من خيال فهوي!.
فها هي امريكا بعد أن فقدت الكثير من هيبتها في الشرق الأوسط ترتدي ثياب “البلطجة”، وتلعب دورا خبيثا نحو تغيير أحد الأنظمة المناوئة لها بالقوة.
وما تزال شعوب العالم ترقب هذا النموذج الجديد لفنزويلا الجريحة ،وتضرب أخماسا في أسداس ،ويتساءلون ويبحثون عن تفسير لما حدث ، فهل خرجت فنزويلا عن السيطرة الأمريكية ،وحان وقت كبح جماحها ،والقصاص “الجائر” منها، بعد أن تحالفت مع روسيا والصين وإيران،وطلبت الانضمام لمعسكر دول “بريكس” المناهضة للهيمنة الأمريكية ،
ام أن الهدف الأساسي هو قنص ثرواتها “غير المستغلة”، من المعادن الثمينة والغاز والذهب وغيرها.
أم هي رسالة تحقق أهداف آنية واستراتيجية ورسالة للجميع تضرب في جميع الاتجاهات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا و”لمن يهمه الأمر” بعد تصاعد نغمة التهديدات لدول أخري مثل كولومبيا والمكسيك وغيرهما!
ماحدث فى “فنزويلا” سيناريو مثير أقرب إلي طريقة “المافيا”،وكأنك تري مشاهد من فيلم لعصابات المافيا ،لم يكن لقوة وكفاءة قوات النخبه الأمريكية “دالتا” ولكن نتيجة لخيانة عظمي مكنتهم من خطف الرئيس الفنزويلى “نيكولاس ماودورو” من غرفة نومه ولخلل في قدرات الأجهزة السياديه والأمنية والدفاعية.
ماحدث فى فنزويلا على مرأى من العالم كله، وسط شجب روسي وصمت صيني ومواقف دولية متباينة ينذر بحدوث عمليات مماثلة وقد تكون فى منطقة الشرق الأوسط وبإخراج مختلف!.
لقد وقعت فنزويلا في فخ الخيانة والجاسوسية،وهي الآن في انتظار تقرير المصير الذي أعلنت الإدارة الأمريكية أنه سيكون بيدها ، بل وحذرت صراحة قوي المعارضة من السير في غير هذا الطريق ،وإلا سينالها ما ناله “الثور الابيض”،بعد هذا السيناريو العبثي لاقتحام سيادة دولة والنيل كرامتها وعزها،وهذا الصمت المريب من أفراد شعبها،وتلك المواقف وردود الأفعال المتواطئة، إما بالصمت أو التأييد لسياسات ترامب!.
وتحت ستار تصفية الحسابات والانتقام من الرئيس السابق “تشافيز”،ودفع خطر الهجرة غير الشرعية ومحاربة تجارة المخدرات اقترفت الإدارة الأمريكية حماقة لاتقل جرما وفداحة، مهما كانت الأسباب الحقيقية والدوافع المنطقية، ومهما كانت المسميات إعتقال أو اختطاف أو أسر، فإن ما فعلته أمريكا سيكون له تبعاته على النظام العالمي إما بالانفجار أو بالمزيد من الخنوع والخضوع لشرطي العالم “المتهور”.
والمؤشر الأكثر خطورة هو انتهاك القوانين والأعراف الدولية وتراجع دور المنظمات والهيئات الأممية الرادعة وغياب سلطة الأمم المتحدة و”مجلس الأمن”،التي تحدد أنماط وضوابط العلاقات بين الدول القائم علي إقرار احترام الشرعية والسيادة وحق تقرير المصير.
وبالنظر لتاريخ العلاقات بين أمريكا وفنزويلا، نجد أنها اتسمت بالتوتر والفتور منذ عقود، لكنها وصلت إلى ذروتها خلال السنوات الأخيرة. ويمكن تلخيص أسباب التوتر في عدة محاور أساسية:
ـ الخلافات السياسية والأيديولوجي ،فقد تبنت فنزويلا، منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013)، نهجًا اشتراكيًا مناهضًا للولايات المتحدة، وطرحت خطابًا ثوريًا يصف واشنطن بالإمبريالية.
وجاء خلفه نيكولاس مادورو وواصل نفس النهج، مما عمّق الهوة السياسية بين البلدين ،وبالمقابل فإن واشنطن تدعم المعارضة الفنزويلية، وتعتبر نظام “مادورو” غير ديمقراطي.
ـ ملف النفط والطاقة: ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، يزيد عن 16% وفقا لبعض التقديرات.
وظلت أمريكا لسنوات المستورد الأول للنفط الفنزويلي، لكن مع تصاعد الخلافات وفرض العقوبات تراجع ذلك.
ـ تتهم واشنطن “كاراكاس” باستخدام النفط كأداة سياسية، بينما تتهم فنزويلا أمريكا بمحاولة السيطرة على مواردها.
ـ الانتخابات والديمقراطية: لم تعترف الولايات المتحدة بشرعية الانتخابات الرئاسية التي فاز بها “مادورو” في 2018، وتصفها بأنها مزورة وغير شفافة.
لكنها اعترفت مؤقتًا بزعيم المعارضة “خوان غوايدو” كرئيس شرعي، وهو ما اعتبرته “كاراكاس” تدخلاً سافرًا في شؤونها الداخلية.
ـ العقوبات الاقتصادية : فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على قطاع النفط الفنزويلي، وعلى مسؤولين حكوميين كبار، وعلى البنك المركزي ،هذه العقوبات عمّقت الأزمة الاقتصادية في “فنزويلا”، واعتبرها الحكومة بمثابة حرب اقتصادية ضدها.
ـ التحالفات الدولية: حيث ترتبط فنزويلا بعلاقات وثيقة مع خصوم أمريكا مثل روسيا ، الصين ، وإيران ..وهذه التحالفات تزيد من حدة الصراع، إذ ترى واشنطن أن فنزويلا قاعدة نفوذ لمنافسيها في “حديقتها الخلفية”بأمريكا اللاتينية!.
وخلاصة الأمر أن العلاقة اتسمت بالجفاء، ولا أفق للوفاق بسبب مزيج من الخلافات الأيديولوجية، وأطماع النفط، وستار الديمقراطية، والتحالفات الدولية. وبينما تري أمريكا أن فنزويلا دولة استبدادية تهدد الاستقرار الإقليمي، تراها فنزويلا انها تسعى للهيمنة على مواردها وإسقاط نظامها السياسي.
وفي تقديري أن اتساع هوة الخلافات وكل ما سبق لا يبرر هذه الممارسات ،وما اقترفته الإدارة الأمريكية بحجج واهية تجاوزت كافة القوانين وتسير نحو إقرار مفهوم “عصر ما بعد القوة”،والذي تجاوز المقصد الضيق أو المعني التقليدي لمفهوم عصر القوة، إلي فترة زمنية تتسم بتغيرات جذرية في توزيع القوة والسلطة في العالم.
وفي العصر الجديد، لم تعد القوة تقتصر على الدول القوية أو المؤسسات التقليدية، بل أصبحت أكثر تشتتًا وتوزعًا بين مختلف الجهات الفاعلة.
وهناك استراتيجيات معلنة وفي الخفاء تعمل في هذا السياق بكافة ما أوتيت من قوة مشروعة أو غير مشروعة،ولا عزاء للصامتين والمتفرجين!.
وفي تصوري أن “عصر ما بعد القوة”،نهج جديد يعتمد علي توظيف القوة “المفرطة” بكافة مفاهيمها العسكرية والمادية،واستغلال التقنيات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في حسم الصراع ،فهو “كوكتيل” من القرصنة والجاسوسية والابتزاز ،وافتعال الأزمات وفرض العقوبات الاقتصادية والضغط والتهديد المستمر لزعزعة الاستقرار السياسي وتقويض الثقة في القيادات السياسية وفي المؤسسات الحاكمة.
وللتعامل مع عصر “ما بعد القوة” أتصور ضرورة الإنتباه وإعادة كافة الحسابات ،وتعزيز التعاون الدولي والتكاتف الإقليمي ، بناء القدرات والمهارات اللازمة لمواجهة هذه الموجة العاتية ولتعامل مع التحديات الجديدة.
هذا علاوة علي تعزيز الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا لتعزيز القدرة علي الصمود وتعزيز الديمقراطية والحوكمة الجيدة لضمان اتخاذ القرارات بشكل عادل وفعال.
إن عصر ما بعد القوة يتطلب إعادة التفكير في كيفية توزيع القوة واستخدامها، وكيفية التعامل مع التحديات الأممية بكافة صورها وإدراك طبيعة أبعادها وتداعياتها.
(سعادة مزيفة.. ومستقبل غامض)
وكأن التاريخ يعيد نفسه سريعا فقبل ما يقرب من سنتين ساعدت أمريكا ودول المصالح في سوريا في تهيئة الأجواء وجاءت بأحمد الشرع لسدة الحكم ،كبديل لنظام “الاسد” وخرج الشعب فرحا مسرورا بخروج حاكم قد يكون مستبدا،”له ما له، وعليه ما عليه” ،لكن سوريا خسرت في ساعات جيشها وجزءا من اراضيها وتركت إسرائيل حتي كتابة هذه السطور تعيث بها فسادا ،وتفرض كلمتها وحتي إشعار آخر..
وهاهو الشعب الفنزويلي يرتكب نفس “الحماقة” ، حين خرج للميادين فرحا واحتفاء برحيل “مودورو” وسقوط نظامه ،لكنه وبكل أسف ينظر تحت قدميه،ولا يرمق المستقبل المنظور وما هو قادم..
إنها مسرة وبهجة في غير موضعها ،لا علاقة لها بالشرف والعزة والانتماء وصيانة الوطن في أوقات الشدة والمحن وفي كافة الملمات والتحديات .
إن فنزويلا “الجريحة” الآن بين شقي الرحي ،فأمريكا تعد العدة لرسم مستقبل جديد لها وإخضاعها بكافة الوسائل ، وعلي الجانب الآخر تتأهب المعارضة لنيل قطعة من “التورتة”، ولعب ادوار جديدة ،وربما لإرضاء الولايات المتحدة قبل كل شيء ،و الشعب الفنزويلي هو الخاسر لا محالة في هذا الصراع غير المتكافئ ،والذي يغض الطرف عن الحقيقة “الكاملة”، ويدور في فلك النفعية المطلقة وتحقيق المنافع الذاتية والطموحات الإمبريالية..
وستكشف الأيام لا محالة عن ملامح المستقبل الفامض.. وتبقي “نكبة فنزويلا” نموذجا مشهودا لمن يعي ويفقه ،ويقرأ متصفحا مابين السطور، ولمن أراد أن يغلق تلك الصفحة السوداء ويضع “نقطة” ويبدأ جديدا من أول السطر!.
#ـ














