بقلم: د.هناء خليفة (دكتوراه الإعلام الرقمي)
»» آليات التأثير في العصر الرقمي
لم يعد تشكيل الرأي العام في عصر الإعلام الرقمي يعتمد على الخبر وحده، بل على ما يحيط به من بيانات وتحليلات رقمية تتحكم في طريقة عرضه وانتشاره. فالإعلام اليوم بات أكثر قدرة على قراءة الجمهور، وتحليل سلوكه، والتنبؤ بردود أفعاله، في ظل بيئة رقمية تراقب التفاعل لحظة بلحظة.
*البيانات تعيد تشكيل صناعة الرأي العام*
البيانات أصبحت عنصرًا أساسيًا في صناعة المحتوى الإعلامي. عدد المشاهدات، ونوعية التفاعل، وتوقيت النشر، كلها مؤشرات يعتمد عليها القائمون على وسائل الإعلام لتحديد ما يهم الجمهور، وكيف يمكن تقديمه بصورة تضمن الانتشار والتأثير. وهكذا لم يعد المحتوى يُصاغ فقط وفقًا لأهميته، بل وفقًا لقدرة الجمهور على التفاعل معه.
*صناعة التأثير الإعلامي*
في هذا السياق، انتقل دور الإعلام من مجرد نقل المعلومات إلى صناعة التأثير الإعلامي. فاختيار العناوين، وطريقة المعالجة، وزاوية الطرح، لم تعد قرارات عشوائية، بل نتائج لتحليل دقيق لسلوك الجمهور وميوله. ويظهر ذلك بوضوح في تحوّل بعض القضايا إلى موضوعات شديدة الانتشار، بينما تختفي قضايا أخرى، رغم أهميتها، بسبب ضعف التفاعل معها.
*تحليل السلوك الجماهيري وإدارة الاهتمام العام*
تحليل السلوك الجماهيري أتاح للإعلام القدرة على توجيه الاهتمام العام، بل وأحيانًا إعادة تشكيل أولوياته. فحين تكشف البيانات عن اهتمام متزايد بقضية معينة، يتم تعزيزها بمزيد من التغطيات، بينما يتم تهميش موضوعات أخرى لا تحظى بنفس الصدى. هذه الآلية تمنح الإعلام قوة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية مضاعفة.
*الحد الفاصل بين التأثير والتلاعب*
يظل الحد الفاصل بين التأثير المشروع والتلاعب بالرأي العام دقيقًا خطيراََ، استخدام البيانات يجب أن يكون أداة للفهم والتوعية، لا وسيلة لاستغلال مشاعر الجمهور أو توجيه وعيه بشكل خفي. وهنا يبرز دور الإعلام المهني القائم على الشفافية، واحترام عقل المتلقي، والالتزام برسالته التنويرية.
*وعي الجمهور شريك في المشهد الإعلامي*
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح جزءًا من المعادلة الإعلامية، يشارك بتفاعله في رسم خريطة المحتوى اليومي. وكلما ارتفع وعي الجمهور بآليات التأثير الرقمي، زادت قدرته على التمييز بين الإعلام المسؤول والمحتوى الموجَّه.
*إعلام البيانات ومسؤولية المستقبل*
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في امتلاك البيانات، بل في كيفية توظيفها. فالإعلام القادر على استخدام أدوات التحليل لخدمة الحقيقة، وتعزيز الوعي، وحماية الرأي العام، هو الإعلام الأجدر بالثقة، والأقدر على أداء دوره في بناء مجتمع واعٍ لا تُدار عقول أفراده، بل تُحترم.
فبين سطور البيانات، تظل الحقيقة مسؤولية إعلام مهني، وجمهور واعٍ.














