»» بقلم: عماد نصير
(دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال)
هالني كغيري من الناس في مختلف أنحاء العالم المظهر الذي خرجت به أمام الشاشات والكاميرات، “سيليا فلوريس”، سيدة فنزويلا الأولى، زوجة (نيكولاس مادورو)، الرئيس الفنزويلي, الذي اختطفته قوات أمريكية من قصره، وهو الأسر الأغرب تقريبا في العصر الحديث، وهنا تذكرت تلك الجملة الموجزة التي قالها الرئيس السيسي (العفي ماحدش يقدر ياكل لقمته)، واستقرت نفسي بعد هول الصدمة إذ وجدتني كغيري من المصريين، نسند ظهرنا إلى حصن حصين وسد منيع وهيبة مرصعة بالتاريخ، وهو التاريخ الذي قام بقوة وبأس العسكرية المصرية.
ففي أول ظهور لها في المحكمة الأمريكية بعد الأسر، ظهرت سيليا وهي تحمل على وجنتيها جمال الرقي والتحضر الغربي، يظهر بوضوح مغطى بلمسات الحضارة الأمريكية. طبع على وجهها اللون الأحمر الذي يرمز ويشير إلى الحرية الأمريكية، وتزينت خدودها بخطوط التسامح والتعايش الذي دعت له الحضارة الأمريكية منذ تأسيسها. أحاط ابتسامتها وعينيها سوار قرمزي يؤسس لقوة لكمة القانون الأمريكي الذي يحترم حقوق الإنسان. تورم وجهها من فرط التغذي على مائدة المساواة، وإعلاء القيم الإنسانية والرحمة، وتطبيق المواثيق الدولية وحقوق الأسرى (على اعتبار أنها وزوجها أسرى).
لن ندخل في سباق النقاش والجدال حول أحقية أي أمة في التدخل في شؤون أخرى، وما هي دوافع الوصاية التي تتذرع بها لتنتزع استقلال شعب وحقه في تقرير مصيره واختيار قيادته، أيًا كانت نتائج ذلك على تحديد مستقبله سلبًا أو إيجابًا، ولا حتى تصنيف مادورو أو الحكم على تجربته بالنجاح أو الفشل. لكن دعنا نتناول الأمر من زاوية البيت الكبير، وهو العالم ككل، ودور كل فرد في هذا البيت، وأحقية سكانه في اتخاذ القرار وحدود ذلك أيضًا، إذا ما اعتبرنا أن الأمم المتحدة هي رب البيت أو كبير العائلة أو (عمدة القرية العالمية).
منذ تأسيسها في 24/10/1945م، وحتى يومنا هذا، كان للأمم المتحدة سقطات كبيرة، ومواقف غضت فيها الطرف عن مساوئ كل من هو غربي. أدارت ظهرها للعديد من القضايا المصيرية التي تعلقت بشعوب العالم الثالث، وصمتت أذنيها عن سماع صوت كل أنين يصدر من الدول الفقيرة والنامية. وليس هذا طرحًا جديدًا، بل تذكير بغيض من فيض عدم الإنصاف الذي تمارسه تلك المنظمة، التي من المفترض أن تكون هي المظلة التي تظل الجميع وفق أطر المساواة، لا تفرق في ذلك بين لون أو عرق أو موقع جغرافي.
للأمم المتحدة العديد من المهام التي تضطلع بها، لعل أبرزها صون السلام والأمن الدوليين، حماية حقوق الإنسان، تقديم المساعدة الإنسانية، تعزيز التنمية المستدامة، احترام القانون الدولي، والعمل كمركز لتنسيق الجهود الدولية لحل المشكلات العالمية، من خلال أجهزتها الرئيسية كالجمعية العامة ومجلس الأمن والمحكمة الدولية. أمور في ظاهرها كل ما من شأنه صون المجتمعات والحضارات ورعاية مصالح الأوطان وفق نسق واحد ومعيار واحد، والجميع أمامها على قدم المساواة.
السلام والأمن ومنع النزاعات وإدارة الأزمات وقوات حفظ السلام، ملف يدار وفق الانتقائية، والأمثلة كبيرة وكثيرة.
المساعدة الإنسانية وتقديم العون والمساعدة الأممية لأماكن النزاع والصراعات لا يختلف كثيرًا عن سلفه، بل إن تضخيم وتأزيم الوضع أحيانًا قد يكون برعاية أممية وليس العكس.
التنمية المستدامة ومكافحة الفقر والتعاون الاقتصادي أمور تدار وفق مصالح المجتمع الغربي، والغربي فقط. ولا نزايد هنا، بل كل مثقف وواعٍ له الرأي نفسه، وليس ذلك تعديًا منا، بل مشاهدة واستقراء واستشراف.
القانون الدولي هو أبرز الملفات التي تعنى بها الأمم المتحدة، ولا يكاد الأمر يتغير أو يختلف في هذا الملف عن سابقيه من الملفات الأخرى التي أدارتها الأمم المتحدة وفق الرؤى التي تغلب مصالح أمم وشعوب على حساب أخرى، دون خجل أو مواربة. يكفي أن يصدر القانون، وعلى الأمم والشعوب أن تبحث عن مبرر أو قانون يسوغ قرارات الأمم المتحدة وفرماناتها القراقوشية.
حقوق الإنسان هي واحدة من أهم الأسس التي بنيت عليها الأمم المتحدة؛ فحماية حقوق جميع الأفراد دون تمييز، ومكافحة التمييز، وتعزيز المساواة بين الجنسين دون الرجوع إلى عرق أو لون أو دين أو حالة اقتصادية، كلها بنود تفسر حقوق الإنسان المنشودة. إلا أن واقعة الاختطاف والقرصنة الأمريكية التي جرت في قصر مادورو على مرأى ومسمع من (البيت الكبير) غيرت ما تبقى من مفاهيم كان البعض يتمسك بها على استحياء.
لم يعد هناك مجال للشك في أن مواثيق الأمم المتحدة لا تُفَعَّل إلا إذا كانت ستخدم مجتمعًا غربيًا. لن يُشهر سيف العدالة إلا لنصرة الغرب، ولا يجب الحديث عن حقوق الإنسان إلا الإنسان الغربي، ولا يجوز الحديث عن السلام والأمن والقانون الدولي والتنمية وفض النزاعات والصراعات أو المواطنة أو حق الشعوب في تقرير المصير، إلا إذا خدم ذلك الفكر والاقتصاد ونمط العيش الغربي.
لا الأمم المتحدة ولا أتباعها، كمجلس الأمن والمحكمة الدولية ولا أي من الوكالات التي تنضوي تحتها، تعمل وفق ما أُنشئت وأُسِّست له. لا يتم تفعيل كامل الطاقة والكفاءة إلا إذا كانت أمريكا والمجتمع الغربي سيحصلان على فائدة، وهذا بات واضحًا جليًا.
أيًا كان تصنيف مادورو وسنوات حكمه، سواء خدم شعبه أم كان دكتاتورًا مستبدًا جامحًا خارجًا عن السياق العالمي، أو وقف بعيدًا عن المظلة الأممية، لا يتيح ذلك الحق لأمريكا أن تقدم على اقتحام حدود فنزويلا والدوس على سيادتها وتلطيخ كرامة شعبها. فالتصرف لا يعدو كونه قرارًا يعتمد على القرار الأمريكي وقوة سلاحه وضمان عدم المساءلة الأممية.
ملامح سيليا المرهقة، وعلامات التحضر الحمراء التي علت وجنتها، وطريقة إبراهيم الأبيض في دخول قصر مادورو، واختطاف رئيس دولة ذات سيادة بقرار فردي أمريكي وليس أممي، خطوة لها ما بعدها، وستأخذ وقتًا كبيرًا من الأمم المتحدة وأمريكا لمحاولة تلميع صورتهما التي تشوهت، كما تشوه وجه سيليا.














