• أحدث المقالات
  • ترينـد
  • الكل
  • فن
  • استاد المساء
  • إقتصاد
من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية ..تحولات فلسفية 1 - جريدة المساء

من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية ..تحولات فلسفية

11 يناير، 2026
الشرع لوفد الغرف التجارية المصرى: علاقة القاهرة بدمشق ضرورة استراتيجية تمليها التحديات

الشرع لوفد الغرف التجارية المصرى: علاقة القاهرة بدمشق ضرورة استراتيجية تمليها التحديات

11 يناير، 2026
المجلس القومي للمرأة ينعى د.هدى درويش 4 - جريدة المساء

المجلس القومي للمرأة ينعى د.هدى درويش

11 يناير، 2026
إعـــلان
خدمات جديدة ..وطفرة في منشآت الرعاية الصحية الأساسية بالمنوفية 6 - جريدة المساء

خدمات جديدة ..وطفرة في منشآت الرعاية الصحية الأساسية بالمنوفية

11 يناير، 2026
مصر ترفع رصيدها إلي 5 ميداليات في بطولة "سيرياس" للكاراتيه 8 - جريدة المساء

مصر ترفع رصيدها إلي 5 ميداليات في بطولة “سيرياس” للكاراتيه

11 يناير، 2026
مصرع سيدة على يد طفلها أثناء عبثه بمسدس والده.. بالشهداء 10 - جريدة المساء

مصرع سيدة على يد طفلها أثناء عبثه بمسدس والده.. بالشهداء

11 يناير، 2026
رؤية نقدية لرواية "سطور من دفتر أحوال شارع 9" 12 - جريدة المساء

رؤية نقدية لرواية “سطور من دفتر أحوال شارع 9”

11 يناير، 2026
محافظ الجيزة يتفقد نسب التنفيذ بمشروع تطوير طريق الإخلاص بالطالبية والعمرانية 14 - جريدة المساء

محافظ الجيزة يتفقد نسب التنفيذ بمشروع تطوير طريق الإخلاص بالطالبية والعمرانية

11 يناير، 2026
تشديد الرقابة علي السلع التموينية..استعدادا لشهر رمضان بالقليوبية 16 - جريدة المساء

تشديد الرقابة علي السلع التموينية..استعدادا لشهر رمضان بالقليوبية

11 يناير، 2026
الإثنين, 12 يناير, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا
  • من نحن
Retail

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

رئيس التحرير

أحمد سليمان

  • آخر الأخبار
  • استاد المساء
    • رياضة
    • دوري المظاليم
    • رياضة عالمية
  • إتصالات
  • إقتصاد
  • أخبار المرأة
  • أدب و ثقافه
  • تعليم
  • فن
  • طيران
    • أخبار المطار و الطيران
    • الشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية
    • الشركة القابضة لمصر للطيران
    • وزارة الطيران المدني
  • المزيد
    • تحقيقات
    • أهالينا
    • الصحة والسكان
    • زراعة وري
    • مع تحياتي لـ “المساء”
    • مقال سمير رجب
    • الدنيا بخير
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
Retail
  • آخر الأخبار
  • استاد المساء
    • رياضة
    • دوري المظاليم
    • رياضة عالمية
  • إتصالات
  • إقتصاد
  • أخبار المرأة
  • أدب و ثقافه
  • تعليم
  • فن
  • طيران
    • أخبار المطار و الطيران
    • الشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية
    • الشركة القابضة لمصر للطيران
    • وزارة الطيران المدني
  • المزيد
    • تحقيقات
    • أهالينا
    • الصحة والسكان
    • زراعة وري
    • مع تحياتي لـ “المساء”
    • مقال سمير رجب
    • الدنيا بخير
جريدة المساء
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
الرئيسية صفحتهم

من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية ..تحولات فلسفية

بواسطة د.خالد محسن
11 يناير، 2026
في صفحتهم
شاركإرسال

من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية ..تحولات فلسفية 18 - جريدة المساءبقلم: آلاء صلاح محمد 

( ماجستير في الآداب فلسفة معاصرة)

لم يتشكل الفكر النسوي بوصفه خطابًا هامشيًا أو طارئًا على تاريخ الفلسفة الحديثة، بل جاء استجابةً مباشرةً للتناقضات الداخلية التي صاحبت مشروع الحداثة ذاته. فمنذ أن رفعت الفلسفة الحديثة شعار العقل والحرية والمساواة، ظل سؤال المرأة معلقًا داخل هذا المشروع، حاضرًا بوصفه إشكالًا أخلاقيًا واجتماعيًا، وغائبًا بوصفه سؤالًا فلسفيًا أصيلًا. فقد تأسس مفهوم الإنسان في الفلسفة الحديثة على نموذج مجرد، اتخذ من الذكورة معيارًا ضمنيًا، ومن العقل الخالص جوهرًا للذات، الأمر الذي جعل تجربة المرأة تقع خارج التمثيل الفلسفي السائد.

قد يعجبك أيضاً

شجون حسن تكتب: الفضيلة التي تحرق أعناقنا 20 - جريدة المساء

شجون حسن تكتب: الفضيلة التي تحرق أعناقنا

10 يناير، 2026
التنمر الإلكتروني.. حماية الأطفال مسؤولية الجميع 22 - جريدة المساء

التنمر الإلكتروني.. حماية الأطفال مسؤولية الجميع

10 يناير، 2026

وفي هذا السياق، نشأت النسوية الكلاسيكية بوصفها مشروعًا نقديًا إصلاحيًا، سعى إلى إدماج المرأة داخل أفق الإنسانية العقلانية، والمطالبة بمساواتها القانونية والسياسية. غير أن هذا المشروع، على الرغم من أهميته التاريخية، ظل أسيرًا للمرجعيات الفلسفية التي أنتجت التهميش ذاته، مما أدى إلى بروز توترات داخل الخطاب النسوي نفسه. ومع تطور النقد الفلسفي للحداثة، وصعود ما بعد البنيوية، ثم التحولات التكنولوجية المتسارعة، ولم يعد ممكنًا الاكتفاء بمساءلة وضع المرأة داخل النظام القائم، بل أصبح من الضروري مساءلة الأسس الأنطولوجية والمعرفية التي يقوم عليها هذا النظام.

ومن هنا، انتقلت النسوية من خطاب المطالبة بالمساواة إلى مشروع فلسفي شامل يعيد التفكير في مفاهيم الذات، والجسد، والهوية، والسلطة، بل وفي مفهوم الإنسان ذاته. وتُعد النسوية ما بعد الإنسانية التعبير الأقصى عن هذا التحول، إذ لا تكتفي بنقد المركزية الذكورية، بل تتجاوزها إلى نقد المركزية الإنسانية نفسها، في عالم تتداخل فيه الحدود بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين الطبيعي والصناعي، وبين البشري وغير البشري.

أولًا: الجذور الفلسفية للنسوية الكلاسيكية

انبثقت النسوية الكلاسيكية في أحضان الفكر الحداثي، متأثرة بالفلسفة الليبرالية ونظرياتها حول الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي. فقد انطلقت من افتراض أساسي مفاده أن المرأة كائن عقلاني كامل الأهلية، وأن حرمانها من الحقوق السياسية والتعليمية والاقتصادية يمثل تناقضًا صريحًا مع المبادئ الكونية للعدالة. وبذلك، لم تسعِ النسوية الكلاسيكية إلى تقويض النظام الفلسفي القائم، بل إلى إدماج المرأة داخله بوصفها مواطنة متساوية.

وارتبط هذا التوجه بإيمان عميق بفكرة التقدم الخطي للتاريخ، حيث اعتُبر توسيع دائرة الحقوق مسارًا طبيعيًا للتطور الاجتماعي. فالتمييز ضد المرأة لم يُفهم بوصفه بنية متجذرة، بل باعتباره تأخرًا تاريخيًا يمكن تجاوزه عبر الإصلاح القانوني والتعليم. ومن هنا جاء التركيز على حق التصويت، وحق التعليم، وحق العمل، باعتبارها مفاتيح التحرر الأساسية.

غير أن هذا المنظور حمل في طياته تصورًا عالميًا مجردًا للمرأة، إذ جرى التعامل معها كفئة إنسانية واحدة، دون اعتبار للاختلافات الثقافية والطبقية. كما ركزت النسوية الكلاسيكية على المجال العام بوصفه فضاء التحرر، مما أدى إلى تهميش قضايا الرعاية والعمل المنزلي والعلاقات غير المرئية اقتصاديًا. ومع ذلك، تبقى القيمة التاريخية لهذه المرحلة كامنة في كونها أول من حوّل وضع المرأة من قدر طبيعي إلى قضية فلسفية سياسية قابلة للمساءلة.

تشكلت النسوية الكلاسيكية في سياق فلسفي حداثي اتسم بالإيمان العميق بالعقل والتقدم، حيث سادت قناعة بأن التاريخ يسير نحو مزيد من الحرية والمساواة. وقد انعكس هذا التصور في اعتماد النسوية المبكرة على مبادئ التنوير، خاصة فكرة الحقوق الطبيعية التي تُمنح لكل إنسان بوصفه كائنًا عاقلًا.

استند هذا التيار إلى الفلسفة الليبرالية التي أكدت أولوية الفرد على الجماعة، واعتبرت الحرية قيمة أساسية لا تتحقق إلا من خلال الاستقلال الذاتي. وقد تبنت النسوية الكلاسيكية هذا الإطار لتأكيد أهلية المرأة العقلية وقدرتها على المشاركة في المجال العام على قدم المساواة مع الرجل.

كما تأثرت النسوية الكلاسيكية بفلسفة العقد الاجتماعي، وإن كان ذلك غالبًا على نحو نقدي. فقد كشفت نسويات مبكرات عن الطابع الإقصائي لهذا العقد، الذي افترض ضمنيًا مواطنًا ذكرًا، بينما استبعد النساء من المجال السياسي رغم خضوعهن لسلطته.

وفي هذا السياق، برزت كتابات ماري وولستونكرافت  Mary Wollstonecraft (1759-1797)  بوصفها لحظة تأسيسية، حيث دافعت عن تعليم المرأة لا بوصفه امتيازًا، بل حقًا ضروريًا لتحقيق إنسانيتها. وقد مثل هذا الطرح محاولة لإعادة إدماج النساء داخل مشروع التنوير ذاته بدل القطيعة معه.

كما تأثرت النسوية الكلاسيكية بالفلسفة الأخلاقية الكانطية، خاصة مفهوم الكرامة المرتبط بالعقلانية والاستقلال. وقد جرى توظيف هذا المفهوم للدفاع عن المرأة بوصفها غاية في ذاتها لا وسيلة، غير أن هذا التوظيف ظل محكومًا بإطار عقلاني صارم.

في المقابل، حمل هذا الاعتماد على كانط تناقضًا ضمنيًا، إذ إن الفلسفة الكانطية نفسها لم تتحرر بالكامل من التصورات النمطية عن النساء. وقد كشفت النسوية لاحقًا هذا التوتر بين المبادئ الكونية والتطبيقات الإقصائية.

كما لعبت الفلسفة السياسية لجون ستيوارت ميل دورًا محوريًا في بلورة النسوية الليبرالية، خاصة في ربطه بين حرية المرأة وتقدم المجتمع ككل. وقد أسهم هذا الربط في إعطاء القضية النسوية بعدًا نفعيًا عقلانيًا يتماشى مع روح العصر.

غير أن هذا البعد النفعي أدى أحيانًا إلى تبرير حقوق المرأة من منظور المنفعة العامة لا من منظور العدالة في ذاتها، وهو ما سيصبح موضع نقد لاحق من داخل النسوية نفسها.

ومن الناحية المعرفية، تبنت النسوية الكلاسيكية مفهومًا موضوعيًا للمعرفة، يفترض إمكانية الوصول إلى الحقيقة عبر العقل المجرد. وقد انعكس ذلك في تجاهل الخبرة الذاتية والجسدية بوصفها مصادر مشروعة للمعرفة.

كما أن الفصل الحداثي بين المجالين العام والخاص شكّل أحد الأسس غير المفككة في هذا التيار. فقد جرى النظر إلى المجال العام بوصفه ساحة السياسة والعقل، بينما تُرك المجال الخاص خارج التحليل الفلسفي الجاد.

وأدى هذا الفصل إلى تهميش قضايا مركزية في حياة النساء، مثل العمل المنزلي والرعاية، التي لم تُعترف بها كقضايا سياسية أو فلسفية رغم دورها البنيوي في استقرار المجتمع.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار الطابع الثوري النسبي للنسوية الكلاسيكية في سياقها التاريخي، إذ نجحت في زعزعة المسلمات التي كانت تربط الأنوثة بالنقص العقلي أو الأخلاقي.

كما أسهمت هذه الجذور الفلسفية في تحويل وضع المرأة من مسألة طبيعية إلى قضية أخلاقية وسياسية قابلة للنقاش، وهو تحول مفهومي بالغ الأهمية.

غير أن اعتماد النسوية الكلاسيكية على كونية مجردة أخفى علاقات القوة الكامنة داخل هذا “الكوني”، خاصة تلك المرتبطة بالاستعمار والطبقة والعرق.

وأخيرًا، يمكن القول إن الجذور الفلسفية للنسوية الكلاسيكية كانت مزدوجة الطابع: فهي من جهة مكّنت النساء من الدخول إلى أفق الحداثة بوصفهن ذواتًا عاقلة، ومن جهة أخرى قيّدتهن داخل حدود هذا الأفق ذاته. ومن هذا التوتر ستنبثق التحولات النسوية اللاحقة التي سعت إلى تجاوز الحداثة دون التخلي عن مكتسباتها.

ثانيًا: مفهوم الذات والهوية في النسوية الكلاسيكية

اعتمدت النسوية الكلاسيكية على تصور حداثي للذات يرى في الإنسان ذاتًا عقلانية مستقلة، قادرة على الاختيار وتحمل المسؤولية. وقد كان هذا التصور ضروريًا للمطالبة بالحقوق، إذ لا حقوق دون ذات قانونية معترف بها. غير أن هذا النموذج ذاته انطوى على إشكالات فلسفية عميقة.

فقد جرى اختزال الهوية النسوية في بعدها العقلاني، في حين تم تهميش الجسد والعاطفة والعلاقات، بوصفها عناصر ثانوية أو عوائق أمام الاستقلالية. وبهذا المعنى، أعادت النسوية الكلاسيكية إنتاج الثنائية الحداثية بين العقل والجسد، التي طالما استُخدمت لتبرير دونية المرأة. كما افترض هذا التصور وجود ذات موحدة وثابتة، متجاهلًا أن الهوية تتشكل داخل سياقات اجتماعية وثقافية معقدة، وأن المساواة القانونية لا تعني بالضرورة تحررًا فعليًا.

وارتكز تصور الذات في النسوية الكلاسيكية على النموذج الفلسفي للذات الليبرالية الحديثة، بوصفها ذاتًا عاقلة، مستقلة، وقادرة على اتخاذ القرار بحرية. وقد بدا هذا النموذج، في سياقه التاريخي، أداة فعّالة لمطالبة النساء بالاعتراف القانوني والسياسي، غير أنه حمل في طياته افتراضات إقصائية لم تُفكك إلا لاحقًا.

إذ إن مفهوم الاستقلالية ذاته كان مشروطًا اجتماعيًا واقتصاديًا، بحيث لا يتحقق إلا لمن يمتلكون موارد مادية ورأسمالًا ثقافيًا معينًا. وبهذا المعنى، فإن الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل داخل هذا الإطار تجاهلت أن الذات الحرة ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لشروط غير متكافئة.

كما تعاملت النسوية الكلاسيكية مع الهوية النسوية بوصفها هوية قانونية-سياسية، أكثر منها تجربة وجودية متجسدة. فالمرأة تُعرَّف هنا من خلال حقوقها وواجباتها داخل الدولة، لا من خلال علاقاتها، وجسدها، وخبراتها اليومية، وهو ما أدى إلى اختزال التجربة النسوية في بعدها الرسمي.

وقد أدى هذا الاختزال إلى تهميش أبعاد مركزية من حياة النساء، مثل العمل المنزلي، والرعاية، والعلاقات العاطفية، التي لم تُعترف بها بوصفها مجالات تُنتج الذات وتشكّل الهوية. وبذلك ظل كثير من القهر غير مرئي داخل خطاب المساواة الشكلية.

كما افترض هذا الاتجاه وجود هوية نسوية موحّدة يمكن تمثيلها سياسيًا دون صعوبة، وهو افتراض أغفل الفروق الطبقية والثقافية والعرقية بين النساء. فالمرأة، في هذا السياق، تظهر بوصفها فئة متجانسة، بينما الواقع يكشف عن تعدد تجارب النساء وتفاوتها العميق.

ومن جهة أخرى، كان التركيز على العقلانية مدفوعًا برغبة في دحض الصور النمطية التي تربط المرأة بالعاطفة واللاعقلانية. غير أن هذا الدفاع قاد، على نحو متناقض، إلى إعادة إنتاج معيار ذكوري للإنسانية، بدل مساءلته أو تجاوزه.

كما أن الثنائية بين العقل والجسد، التي تبنتها النسوية الكلاسيكية ضمنيًا، أسهمت في إقصاء الجسد بوصفه مصدرًا للمعرفة والهوية. فالجسد ظل يُنظر إليه كعائق يجب تجاوزه للوصول إلى الاعتراف، لا كفضاء تتجسد فيه الذات وتُصاغ هويتها.

وقد انعكس هذا التصور أيضًا في الموقف من الأمومة، التي جرى التعامل معها إما كاختيار فردي محايد، أو كعائق أمام تحقيق الذات، دون تحليل عميق للشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تُحيط بها. وبذلك بقيت الأمومة خارج التحليل البنيوي للهوية.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال الدور التأسيسي لهذا التصور في فتح المجال أمام النساء للحديث بوصفهن ذواتًا فاعلة قانونيًا وسياسيًا. فقد أسهمت النسوية الكلاسيكية في كسر منطق الوصاية، ونقل المرأة من موقع التبعية إلى موقع المطالبة بالحقوق.

غير أن التوتر بين هذا الإنجاز وحدوده النظرية أصبح أكثر وضوحًا مع صعود التيارات النقدية داخل النسوية نفسها، التي كشفت أن الاعتراف القانوني لا يعني بالضرورة تحررًا فعليًا للذات.

ومن هنا، بدأت تظهر محاولات لتوسيع مفهوم الذات النسوية ليشمل البعد العلائقي والتجسدي، دون التخلي عن مطلب المساواة. وقد شكّلت هذه المحاولات الجسر النظري نحو النسوية الراديكالية ثم ما بعد الحداثية.

وأخيرًا، يمكن القول إن مفهوم الذات والهوية في النسوية الكلاسيكية كان لحظة ضرورية في تاريخ الفكر النسوي، لكنه ليس نهاية المسار. فقد أتاح هذا المفهوم إمكان التفكير في المرأة بوصفها ذاتًا، لكنه في الوقت نفسه كشف الحاجة إلى إعادة تعريف الذات خارج النموذج الليبرالي الضيق، وهو ما ستتولاه التحولات النسوية اللاحقة.

ثالثًا: التحول النقدي وبروز النسوية الراديكالية

جاءت النسوية الراديكالية بوصفها قطيعة نقدية مع النزعة الإصلاحية للنسوية الكلاسيكية، مؤكدة أن القمع الذي تتعرض له المرأة متجذر في بنية اجتماعية وثقافية شاملة هي النظام الأبوي. فلم تعد المشكلة تُختزل في القوانين، بل في أنماط التفكير، واللغة، والعلاقات اليومية.

ركزت هذه النسوية على الجسد الأنثوي بوصفه موقعًا مركزيًا للسلطة، حيث تُمارس السيطرة عبر تنظيم الإنجاب والجنس والمعايير الجمالية. كما أعادت الاعتبار للخبرة النسوية اليومية، معتبرة أن ما يُعد شخصيًا هو في جوهره سياسي. ورغم ما وُجه لها من انتقادات تتعلق بالتعميم، فإنها أسهمت في تعميق التحليل الفلسفي للسلطة.

وقد جاء التحول نحو النسوية الراديكالية بوصفه استجابة نقدية لحدود النسوية الليبرالية، التي رأت في الإصلاح القانوني والسياسي أفقًا كافيًا لتحرر المرأة. فقد اعتبرت النسويات الراديكاليات أن هذا الأفق يظل سطحيًا ما دام لا يمس البنى العميقة التي تُنتج التمييز الجندري داخل الثقافة والمخيال الاجتماعي، وليس فقط داخل مؤسسات الدولة.

وانطلقت النسوية الراديكالية من فرضية أساسية مفادها أن النظام الأبوي ليس ظاهرة عرضية أو تاريخية مؤقتة، بل بنية شاملة تخترق جميع مستويات الحياة الاجتماعية. فالقمع، وفق هذا التصور، لا يُمارس فقط عبر القوانين، بل يتجسد في العادات، والرموز، واللغة، وأنماط التنشئة التي تُطبع الأفراد منذ الطفولة.

وقد أولت هذه النسوية اهتمامًا خاصًا بتحليل الجسد بوصفه ساحة مركزية للصراع، حيث يُنظر إلى الجسد الأنثوي باعتباره موقعًا لإعادة إنتاج السيطرة الذكورية عبر مفاهيم مثل العفة، والجمال، والأمومة، والوظيفة الإنجابية. ولم يعد الجسد مجرد معطى بيولوجي، بل بنية سياسية تُدار وتُضبط اجتماعيًا.

كما أعادت النسوية الراديكالية تعريف مفهوم العنف، متجاوزة حصره في الأفعال الجسدية المباشرة، لتشمل أشكالًا رمزية ونفسية وثقافية أكثر خفاءً. فالإقصاء، والتشييء، والصمت المفروض على خبرات النساء، كلها أشكال من العنف البنيوي الذي يعمل على تطبيع اللامساواة.

وفي هذا السياق، برز نقد جذري لمؤسسة الأسرة التقليدية، التي اعتُبرت أحد أهم مواقع إعادة إنتاج الهيمنة الأبوية. فقد رأت النسويات الراديكاليات أن تقسيم الأدوار داخل الأسرة لا يقوم على الطبيعة، بل على علاقات قوة تاريخية تُقدَّم في صورة ضرورات بيولوجية أو أخلاقية.

كما لعب الوعي الجماعي دورًا محوريًا في هذه المرحلة، حيث اعتُبرت التجربة الشخصية للمرأة مصدرًا مشروعًا للمعرفة. وقد مثّلت مقولة الشخصي سياسي أحد أهم الإسهامات النظرية للنسوية الراديكالية، إذ كشفت كيف تتجذر القضايا الخاصة، مثل العلاقات الحميمة والعمل المنزلي، في بنى سياسية واقتصادية أوسع.

ومع ذلك، لم تخلُ النسوية الراديكالية من نزعة تعميمية، حيث جرى أحيانًا تقديم تجربة المرأة بوصفها تجربة واحدة مشتركة، دون مراعاة الفروق الطبقية والعرقية والثقافية. وقد أدى ذلك إلى انتقادات لاحقة من داخل الفكر النسوي نفسه، خاصة من نسويات الاختلاف وما بعد الاستعمار.

كما اتُّهم هذا الاتجاه أحيانًا بالنزعة الثنوية الحادة، التي تُقابل بين النساء والرجال بوصفهما فئتين متعارضتين على نحو جوهري. وقد أفضى هذا التصور إلى تبسيط معقد للعلاقات الاجتماعية، وإلى صعوبة بناء تحالفات سياسية عابرة للجندر.

ورغم هذه الانتقادات، لا يمكن إنكار الأثر العميق للنسوية الراديكالية في تعميق التحليل الفلسفي للسلطة. فقد أسهمت في نقل النقاش النسوي من مستوى المطالب الإصلاحية إلى مستوى تفكيك الأسس الرمزية والمعرفية للهيمنة، وهو ما شكّل منعطفًا حاسمًا في تاريخ الفكر النسوي.

وأخيرًا، يمكن القول إن النسوية الراديكالية مثّلت لحظة توتر خلاق داخل النسوية، إذ كشفت حدود المساومات الإصلاحية، ودفعت الفكر النسوي إلى مواجهة الأسئلة الأكثر جذرية حول السلطة، والجسد، والمعنى. ومن هذا التوتر تحديدًا انبثقت التحولات اللاحقة نحو النسوية ما بعد الحداثية ثم ما بعد الإنسانية، بوصفهما محاولتين لتجاوز الاختزال دون التخلي عن النقد الجذري.

رابعًا: النسوية وما بعد الحداثة

مع صعود الفكر ما بعد الحداثي، خضعت المفاهيم النسوية لإعادة نظر جذرية. فقد جرى التشكيك في السرديات الكبرى، بما في ذلك فكرة المرأة بوصفها فئة متجانسة. وبرزت مفاهيم الاختلاف والتعدد والتقاطع، حيث أصبح الجندر يُفهم في تداخله مع العرق والطبقة والاستعمار.

كما أُعيد تعريف السلطة بوصفها شبكة علاقات لا مركزية، وأصبح تحليل الخطاب واللغة جزءًا أساسيًا من النقد النسوي. غير أن هذا التفكيك المستمر أثار تساؤلات حول إمكان الفعل السياسي المشترك، دون أن يلغي القيمة النقدية لهذا الاتجاه.

أحدثت ما بعد الحداثة قطيعة معرفية مع السرديات الكبرى التي هيمنت طويلًا على الفكر الغربي، بما في ذلك سردية تحرر المرأة بوصفها مسارًا واحدًا ذا نهاية محددة. وقد استفادت النسوية من هذا التحول عبر مساءلة افتراضاتها الذاتية، والاعتراف بأن خطابها لم يكن بريئًا من التحيزات الطبقية والعرقية والثقافية التي طبعت الفكر الحداثي.

كما أسهمت ما بعد الحداثة في زعزعة مفهوم الهوية النسوية المستقرة، حيث لم تعد المرأة تُفهم ككيان متجانس، بل كموقع متعدد تتقاطع فيه علاقات القوة. وقد أدى ذلك إلى انتقال النسوية من البحث عن جوهر أنثوي مشترك إلى تحليل آليات إنتاج الاختلاف نفسها.

وعلى المستوى اللغوي، تأثرت النسوية بما بعد البنيوية التي أبرزت دور الخطاب في تشكيل الواقع الاجتماعي. فاللغة لم تعد أداة وصف محايدة، بل بنية تنتج المعنى وتعيد إنتاج الهيمنة. ومن هنا، انصب اهتمام النسويات على تفكيك الخطابات التي تُمأسس التمييز الجندري عبر المصطلحات، والاستعارات، والسرديات الثقافية السائدة.

كما أسهم هذا المنظور في إعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث لم تعد السلطة تُفهم كقمع خارجي فحسب، بل كشبكة من الممارسات اليومية التي تتسلل إلى الذات نفسها. وقد مكّن هذا التحليل النسوية من فهم أعمق لكيفية تطبيع الخضوع وإعادة إنتاجه دون إكراه مباشر.

في السياق ذاته، أفسحت النسوية ما بعد الحداثية المجال أمام أصوات كانت مهمشة داخل الخطاب النسوي ذاته، مثل نسويات الجنوب العالمي، والنسويات ما بعد الاستعمار، ونسويات العرق والهوية. وأسهم ذلك في توسيع أفق النسوية ليشمل تجارب تاريخية وثقافية متباينة، دون إخضاعها لنموذج غربي معياري.

غير أن هذا الانفتاح على التعدد لم يخلُ من إشكالات نظرية، إذ وُجهت انتقادات للنسوية ما بعد الحداثية بدعوى أنها تُضعف إمكان الفعل السياسي الجماعي. فغياب هوية نسوية جامعة قد يؤدي، بحسب هذا النقد، إلى تفكك المشروع النسوي وتحوله إلى مجرد تحليل ثقافي دون قوة تغييرية.

ومع ذلك، دافعت نسويات كثيرات عن هذا التوجه، معتبرات أن السياسة لا تشترط وحدة الهوية بقدر ما تتطلب وعيًا نقديًا بالاختلاف. فالتحالفات السياسية يمكن أن تُبنى على قضايا مشتركة مؤقتة، لا على هوية ثابتة ومغلقة.

وأخيرًا، يمكن القول إن النسوية وما بعد الحداثة لم تؤدِّ إلى تقويض المشروع النسوي بقدر ما أسهمت في إعادة صياغته. فقد منحت النسوية أدوات نقدية أكثر حساسية لتعقيد الواقع الاجتماعي، ومهّدت الطريق لتيارات لاحقة، مثل النسوية ما بعد الإنسانية، التي واصلت تفكيك الحدود الصلبة بين الذات والآخر، والإنسان وغير الإنسان، في أفق فلسفي أكثر اتساعًا.

خامسًا: النسوية والتكنولوجيا: إرهاصات ما بعد الإنسانية

أحدثت التكنولوجيا تحولات جذرية في شروط الحياة والعمل والجسد، وأعادت تشكيل مفاهيم الإنجاب والرعاية والهوية. ولم تعد التجربة النسوية بمنأى عن الرقمنة والتقنيات الحيوية، التي أنتجت أشكالًا جديدة من السيطرة، ولكنها في الوقت ذاته فتحت إمكانات جديدة للمقاومة والتنظيم.

وهذا التوتر بين القمع والتحرر مهّد لظهور أفق فلسفي جديد داخل النسوية، يتجاوز الإنسانوية التقليدية، ويمهّد للتفكير ما بعد الإنساني.

وقد أدت الثورة الرقمية إلى إعادة تشكيل أنماط السيطرة بطرق أكثر خفاءً وتعقيدًا مما عرفته المجتمعات الصناعية التقليدية. فلم تعد الهيمنة تُمارس فقط عبر المؤسسات السياسية أو الاقتصادية المباشرة، بل أصبحت الخوارزميات، ومنصات التواصل، وأنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة لإعادة إنتاج التفاوت الجندري. إذ تُظهر دراسات عديدة كيف تُبرمج الخوارزميات على أساس بيانات منحازة تاريخيًا، ما يؤدي إلى ترسيخ الصور النمطية عن المرأة بدل تفكيكها، وهو ما يطرح تحديات فلسفية جديدة أمام الخطاب النسوي.

كما أسهمت التكنولوجيا في إعادة تعريف مفهوم العمل، لا سيما عمل النساء، حيث أدى انتشار العمل الرقمي والعمل عن بُعد إلى تداخل المجالين العام والخاص بشكل غير مسبوق. فمن جهة، أتاح هذا التحول فرصًا جديدة للنساء للمشاركة الاقتصادية، لكنه من جهة أخرى عمّق أعباء العمل غير المرئي، خاصة أعمال الرعاية والعمل المنزلي، التي باتت تُمارس بالتوازي مع العمل الرقمي دون اعتراف مؤسسي أو قانوني كافٍ.

وعلى مستوى الجسد، أعادت التقنيات الحيوية والطبية طرح أسئلة جذرية حول الإنجاب، والأمومة، والاختيار. فلم تعد الأمومة مرتبطة بالضرورة بالجسد البيولوجي للمرأة، بل أصبحت مشروطة بتدخلات تقنية معقدة، مثل التلقيح الصناعي، والأرحام البديلة، والتعديل الجيني. وقد أدى ذلك إلى انقسام داخل الفكر النسوي بين من ترى في هذه التقنيات إمكانات تحررية، ومن تحذر من تحويل الجسد الأنثوي إلى موضوع للاستغلال التقني والاقتصادي.

في السياق ذاته، أسهم الفضاء الرقمي في خلق أشكال جديدة من الوعي النسوي العابر للحدود، حيث أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي إمكانات غير مسبوقة للتنظيم، وتبادل الخبرات، وكشف العنف الرمزي والمادي. غير أن هذا الفضاء ذاته أصبح ساحة لممارسات جديدة من العنف الرقمي، والتحرش، والمراقبة، ما يبرز الطابع المزدوج للتكنولوجيا بوصفها أداة تحرر وأداة قمع في آن واحد.

وتكشف هذه التحولات مجتمعة عن محدودية التصورات النسوية التي تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها مجرد وسيلة محايدة. فالتكنولوجيا ليست خارج علاقات السلطة، بل هي جزء فاعل في إنتاجها وإعادة تشكيلها. ومن هنا، تمثل هذه الإرهاصات مدخلًا فلسفيًا أساسيًا للانتقال نحو النسوية ما بعد الإنسانية، التي تسعى إلى فهم العلاقة المعقدة بين الجندر، والتقنية، والسلطة، خارج الإطار الإنساني التقليدي.

سادسًا: مفهوم ما بعد الإنسانية وأبعاده الفلسفية

تقوم ما بعد الإنسانية على نقد المركزية الإنسانية التي جعلت من الإنسان مقياسًا لكل شيء. فهي ترفض تصور الإنسان ككيان مستقل ومتفوق على الطبيعة والتكنولوجيا، وترى فيه كائنًا هجينًا متشابكًا مع محيطه.

كما ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعي والصناعي، والعقل والجسد، وتطرح أسئلة أخلاقية جديدة حول المسؤولية والفاعلية في عالم لم يعد الإنسان فيه الفاعل الوحيد.

وينطلق مفهوم ما بعد الإنسانية من النقد الجذري  الذي هيمن على الفلسفة الغربية منذ اليونان وحتى الحداثة، حيث جرى تقديم الإنسان بوصفه مركز الكون ومرجعه القيمي والمعرفي الأعلى. تسعى ما بعد الإنسانية إلى تفكيك هذا الامتياز الفلسفي، معتبرة أن الإصرار على مركزية الإنسان أسهم في تبرير أشكال متعددة من العنف، ليس فقط ضد النساء، بل أيضًا ضد الطبيعة والكائنات الأخرى، بل وحتى ضد البشر أنفسهم عبر أنظمة الهيمنة التقنية والرأسمالية.

كما يرتبط هذا المفهوم بإعادة النظر في الثنائية الكلاسيكية بين الطبيعة والثقافة، والتي شكّلت أساسًا للتمييز بين ما يُعد إنسانيًا وما يُعد دون ذلك. فالفكر ما بعد الإنساني يرفض الفصل الصارم بين الطبيعي والمصطنع، ويرى أن الإنسان ذاته نتاج تداخل مستمر بين البيولوجي والتقني والاجتماعي. وبذلك، يُعاد تعريف الإنسانية بوصفها عملية مفتوحة لا جوهرًا ثابتًا.

وعلى المستوى الأنطولوجي، تقترح ما بعد الإنسانية تصورًا شبكيًا للوجود، حيث تُفهم الكائنات باعتبارها عقدًا في شبكة من العلاقات المتداخلة. هذا الفهم يقوّض التصور الفرداني للذات، ويحل محله تصور علائقي يؤكد أن الكينونة تتشكل دائمًا في سياق التفاعل مع الآخر، سواء كان هذا الآخر إنسانًا أو غير إنسان أو كيانًا تقنيًا.

أما من الناحية المعرفية، فإن ما بعد الإنسانية تُعيد طرح سؤال المعرفة خارج نموذج الذات العارفة المنفصلة عن موضوعها. فالمعرفة، وفق هذا التصور، ليست انعكاسًا محايدًا للعالم، بل ممارسة متجسدة ومتموضعة، تتأثر بالأجساد، والتقنيات، والبيئات التي تُنتج ضمنها. ويؤدي ذلك إلى نقد فكرة الموضوعية المطلقة، دون السقوط في النسبية المطلقة.

وفي المجال الأخلاقي، تفتح ما بعد الإنسانية أفقًا جديدًا لإعادة التفكير في المسؤولية، حيث لم تعد الأخلاق مقتصرة على العلاقات بين البشر فحسب، بل امتدت لتشمل علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وبالبيئة، وبالكائنات غير البشرية. وتدعو هذه المقاربة إلى أخلاقيات تقوم على الرعاية، والترابط، والاستدامة، بدل السيطرة والاستغلال.

وتطرح ما بعد الإنسانية تحديًا فلسفيًا عميقًا يتمثل في إعادة تعريف معنى الكرامة والحرية في عالم تتداخل فيه الحدود بين الإنسان والآلة. فبينما يرى بعض الفلاسفة في هذا التحول تهديدًا للقيم الإنسانية، يرى آخرون أنه فرصة لإعادة صياغة هذه القيم على أسس أكثر شمولًا وعدالة، وهو ما يجعل ما بعد الإنسانية أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفلسفة المعاصرة.

سابعًا: النسوية ما بعد الإنسانية: المفهوم والتحديات

تجمع النسوية ما بعد الإنسانية بين نقد الجندر ونقد الإنسانوية، إذ لا تسعى فقط إلى تحرير المرأة داخل الإطار الإنساني التقليدي، بل إلى مساءلة هذا الإطار ذاته، والكشف عن حدوده الفلسفية والأخلاقية. فهي ترى أن كثيرًا من أشكال القهر الجندري متجذرة في تصور ضيق للإنسان بوصفه كائنًا عقلانيًا مستقلًا ومتفوقًا على غيره.

وترفض هذه النسوية اختزال المرأة في هوية ثابتة أو جوهر أنثوي مغلق، معتبرة أن الهوية النسوية تتشكل عبر تفاعلات معقدة بين الجسد، والخطاب، والتقنية، والسياق الاجتماعي. فالمرأة ليست ذاتًا مكتملة، بل عملية مستمرة من التشكل والتحول.

وفي هذا الإطار، يُعاد تعريف الجسد بوصفه شبكة علاقات مادية وتقنية، لا مجرد بنية بيولوجية. فالجسد يتقاطع مع الأجهزة الطبية، والتقنيات الرقمية، والبيئات الطبيعية، ما يجعله موقعًا ديناميكيًا لإنتاج المعنى والسلطة.

كما تسعى النسوية ما بعد الإنسانية إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين الطبيعة والثقافة، التي طالما استُخدمت لتبرير إخضاع المرأة وربطها بالمجال الطبيعي في مقابل احتكار الرجل للمجال الثقافي والعقلي. وهي ترى أن هذا الفصل ذاته أحد جذور اللامساواة.

وتوسّع هذه النسوية مفهوم العدالة ليشمل الكائنات غير البشرية، والبيئة، والأنظمة التقنية، ما يجعل المشروع النسوي جزءًا من نقد كوني أشمل لعلاقات الهيمنة. فالظلم الجندري لا يُفهم بمعزل عن استغلال الطبيعة أو إخضاع الكائنات الأخرى.

ويترتب على هذا التوسع إعادة التفكير في الأخلاق النسوية، بحيث لا تقتصر على العلاقات بين البشر، بل تشمل مسؤولية الإنسان تجاه العالم الذي يتقاسمه مع غيره. وتُستبدل أخلاقيات السيطرة بأخلاقيات الرعاية والترابط.

غير أن هذا الأفق الواسع يطرح تحديات نظرية، من أبرزها الخشية من ذوبان القضية النسوية داخل خطاب فلسفي عام يفقد خصوصيته السياسية. فالسؤال المطروح هو: كيف يمكن الحفاظ على مركزية معاناة النساء دون العودة إلى إنسانوية ضيقة؟

كما يثير هذا الاتجاه إشكال الفاعلية السياسية، إذ إن تفكيك مفهوم الذات المستقلة قد يجعل من الصعب تحديد من هو الفاعل النسوي، وكيف تُمارس المقاومة في عالم شبكي معقد.

وتواجه النسوية ما بعد الإنسانية تحديًا آخر يتمثل في علاقتها بالتكنولوجيا، إذ تتأرجح بين نقدها بوصفها أداة هيمنة، والاعتراف بإمكاناتها التحررية. وهذا التوتر يفرض على النسوية موقفًا نقديًا حذرًا، لا احتفائيًا ولا رفضيًا.

ومن التحديات المركزية أيضًا مسألة التفاوت العالمي، حيث يُخشى أن تعكس أطروحات ما بعد الإنسانية خبرات نساء في مجتمعات صناعية متقدمة، دون أن تستوعب واقع النساء في السياقات الفقيرة أو المهمشة.

كما تُواجه هذه النسوية نقدًا يتعلق بلغتها النظرية المعقدة، التي قد تُبعدها عن الحركات النسوية القاعدية، وتجعلها حبيسة النقاش الأكاديمي.

ومع ذلك، ترى المدافعات عنها أن هذا العمق النظري ضروري لمواجهة تحولات غير مسبوقة في طبيعة السلطة، خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية.

وتُعيد النسوية ما بعد الإنسانية التفكير في مفهوم التحرر ذاته، إذ لم يعد يُفهم بوصفه استقلالًا فرديًا مطلقًا، بل كقدرة على العيش داخل شبكات من الاعتماد المتبادل دون خضوع أو استغلال.

وفي هذا السياق، يُعاد الاعتبار للهشاشة بوصفها سمة إنسانية أساسية، لا علامة ضعف. فالهشاشة تكشف عن ترابط الذوات، وعن الحاجة إلى نماذج جديدة للتضامن.

كما تسهم هذه النسوية في نقد الرأسمالية المتأخرة، التي تستثمر الأجساد، والبيانات، والعلاقات، وتحولها إلى موارد قابلة للاستغلال.

ويُنظر إلى الجسد النسوي هنا بوصفه موقعًا تتقاطع فيه قوى السوق، والتقنية، والسياسة، ما يستدعي تحليلًا متعدد المستويات لا يختزل القهر في بعد واحد.

وتفتح النسوية ما بعد الإنسانية أفقًا جديدًا لفهم الهوية الجندرية بوصفها عملية مفتوحة، تتجاوز الثنائيات الصلبة دون إنكار الواقع المادي للأجساد.

كما تُسهم في إعادة صياغة مفهوم المعرفة النسوية، باعتبارها معرفة متجسدة ومتموضعة، تتشكل عبر التفاعل مع العالم لا من موقع حياد وهمي.

ومن التحديات التي تواجه هذا المشروع أيضًا ضرورة بناء جسور بين النظرية والممارسة، بحيث لا تبقى النسوية ما بعد الإنسانية خطابًا نقديًا مجردًا.

غير أن هذه التحديات يمكن فهمها بوصفها جزءًا من طبيعة المشروع ذاته، الذي لا يدّعي الاكتمال، بل يطرح نفسه كمسار مفتوح للتفكير.

وأخيرًا، يمكن القول إن النسوية ما بعد الإنسانية تمثل محاولة جريئة لإعادة تصور التحرر في عصر تتغير فيه حدود الإنسان، والجسد، والتقنية. وهي، رغم ما تواجهه من تحديات، تفتح أمام الفكر النسوي إمكانات فلسفية جديدة لفهم القهر ومقاومته في عالم لم يعد إنسانيًا خالصًا.

ثامنًا: الجسد والذات في النسوية ما بعد الإنسانية

لم يعد الجسد يُفهم بوصفه مجرد موضوع للسيطرة أو التحرر، بل أصبح وسيطًا معرفيًا وتقنيًا. وتُفهم الذات النسوية بوصفها عملية تشكّل مستمرة، لا جوهرًا ثابتًا، وهو ما يؤدي إلى تفكيك الفهم الجوهراني للأنوثة.

ويحتل الجسد موقعًا مركزيًا في النسوية ما بعد الإنسانية، ليس بوصفه معطًى طبيعيًا ثابتًا، بل بوصفه كيانًا علائقيًا يتشكل باستمرار عبر تفاعله مع التقنيات، والخطابات، والبيئات. ويُقوِّض هذا التصور الفهم التقليدي للجسد الأنثوي باعتباره جوهرًا بيولوجيًا مغلقًا.

تنطلق هذه المقاربة من نقد الفصل الكلاسيكي بين الجسد والعقل، الذي رسخته الفلسفة الديكارتية، معتبرة أن هذا الفصل أسهم في تهميش الجسد، وربطه بالأنوثة، في مقابل تمجيد العقل بوصفه مجالًا ذكوريًا. وتعمل النسوية ما بعد الإنسانية على تفكيك هذا الإرث الثنائي.

في هذا السياق، يُعاد تعريف الذات النسوية بوصفها ذاتًا متجسدة، لا يمكن فصل هويتها عن شروطها المادية والتقنية. فالذات ليست وعيًا خالصًا، بل نتاج تفاعل مع الجسد، والأدوات، والبيئة المحيطة.

كما ترفض النسوية ما بعد الإنسانية النظر إلى الجسد بوصفه حدودًا للذات، بل تراه امتدادًا لها. فالأطراف الصناعية، والأجهزة الطبية، والتقنيات الرقمية، لم تعد عناصر خارجية، بل أصبحت جزءًا من تكوين الذات المعاصرة.

ويؤدي هذا الفهم إلى زعزعة التصورات الجوهرانية للأنوثة، التي ربطت هوية المرأة بوظائف بيولوجية محددة. فالجسد الأنثوي لم يعد يُفهم بوصفه قدرًا طبيعيًا، بل كمجال مفتوح لإعادة التشكيل والمعنى.

كما يُعاد التفكير في مفهوم الخبرة الجسدية، حيث لا تُختزل في الإحساس الفردي، بل تُفهم بوصفها خبرة متموضعة اجتماعيًا وتقنيًا. فالإحساس بالألم، أو المتعة، أو الضعف، يتشكل داخل شبكات من السلطة والمعرفة.

وتُبرز النسوية ما بعد الإنسانية أن الجسد ليس موقعًا سلبيًا للهيمنة فقط، بل أيضًا مجالًا للمقاومة. فإعادة امتلاك الجسد، وإعادة تعريف علاقته بالتقنية، يمكن أن تشكّل أفعالًا سياسية بحد ذاتها.

وفي هذا الإطار، تكتسب تقنيات الطب الحيوي دلالة مزدوجة، إذ تمثل في آن واحد إمكانات للتحرر وإعادة إنتاج للسيطرة. فالتحكم التقني في الجسد قد يوسع خيارات النساء، لكنه قد يُخضع أجسادهن لمنطق السوق والربح.

كما يُعاد النظر في مفهوم الإعاقة من منظور ما بعد إنساني، حيث لا تُفهم الإعاقة بوصفها نقصًا فرديًا، بل نتيجة لعدم توافق الجسد مع بيئات وتقنيات مصممة وفق معايير معيارية إقصائية.

ويُسهم هذا المنظور في توسيع مفهوم الجسد “الطبيعي”، ليشمل تنوع الأجساد وقدراتها، دون إخضاعها لمقياس معياري واحد.

وعلى مستوى الهوية، تطرح النسوية ما بعد الإنسانية تصورًا للذات بوصفها متعددة ومتحولة، لا تستقر في تعريف واحد. فالهوية الجندرية تُفهم كعملية مستمرة من التفاوض بين الجسد، والخطاب، والتقنية.

ويؤدي هذا التصور إلى تجاوز الثنائية الصارمة بين الذكورة والأنوثة، دون إنكار الفروق الجسدية، بل عبر إعادة تأطيرها داخل شبكة من العلاقات المتغيرة.

كما تُبرز هذه المقاربة أهمية الزمن في تشكيل الجسد والذات، حيث يُفهم الجسد بوصفه كيانًا تاريخيًا يحمل آثار الماضي، ويتغير مع تقدم العمر، والمرض، والتقنية.

وتفتح النسوية ما بعد الإنسانية المجال أمام التفكير في الشيخوخة، والمرض، والهشاشة، لا بوصفها حالات هامشية، بل خبرات مركزية في الوجود الإنساني.

وفي هذا السياق، يُعاد الاعتبار لمفهوم الرعاية بوصفه بعدًا جوهريًا في تشكيل الذات، لا مجرد نشاط ثانوي. فالرعاية تكشف عن اعتماد الذوات المتبادل، وتقوض وهم الاستقلال المطلق.

كما تؤكد هذه النسوية أن الذات لا تتشكل في عزلة، بل داخل شبكات من العلاقات مع البشر وغير البشر، بما في ذلك الحيوانات، والآلات، والأنظمة البيئية.

ويؤدي هذا الفهم إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجسد والطبيعة، حيث يُنظر إلى الجسد بوصفه جزءًا من منظومة بيئية أوسع، لا كيانًا منفصلًا عنها.

ومن هنا، تُدمج القضايا البيئية ضمن تحليل الجسد النسوي، بوصف التلوث، والتغير المناخي، والسياسات البيئية، عوامل تؤثر مباشرة في الأجساد، خاصة أجساد النساء.

كما تُعيد النسوية ما بعد الإنسانية التفكير في مفهوم السيادة الجسدية، حيث لا تُفهم السيطرة على الجسد بوصفها امتلاكًا فرديًا مطلقًا، بل كمسؤولية علائقية تتقاطع فيها الذوات والبيئات.

ويُسهم هذا المنظور في نقد الخطابات الليبرالية التي تختزل الحرية الجسدية في الاختيار الفردي، دون مساءلة الشروط البنيوية التي تُحدد هذا الاختيار.

وفي المستوى المعرفي، يُعاد الاعتراف بالجسد كمصدر للمعرفة، حيث تُفهم المعرفة بوصفها ممارسة متجسدة، لا نتاج عقل مجرد.

ويُفضي هذا إلى إعادة تقييم الخبرات الجسدية للنساء بوصفها موارد معرفية مشروعة، لا عوائق أمام العقلانية.

وأخيرًا، يمكن القول إن الجسد والذات في النسوية ما بعد الإنسانية لا يُفهمان بوصفهما معطيين ثابتين، بل كعمليتين مفتوحتين للتشكّل. ومن خلال هذا الفهم، تسعى النسوية ما بعد الإنسانية إلى بناء تصور أكثر شمولًا للذات، يعترف بالهشاشة، والتعدد، والترابط، بوصفها شروطًا أساسية للوجود والتحرر.

تاسعًا: الإشكالات النقدية للنسوية ما بعد الإنسانية

تواجه النسوية ما بعد الإنسانية انتقادات تتعلق بالتجريد والغموض، وبإمكانية تهميش القضايا الاجتماعية الملموسة، خاصة في السياقات غير التكنولوجية. كما يُثار سؤال العدالة في ظل الفجوة الرقمية العالمية.

غير أن هذه الإشكالات تعكس حيوية المشروع، وتؤكد الحاجة إلى تطويره وربطه بالواقع الاجتماعي.

وتُعد النسوية ما بعد الإنسانية من أكثر التيارات النسوية المعاصرة إثارة للجدل، نظرًا لما تطرحه من إعادة جذرية لتعريف الإنسان والذات والهوية. غير أن هذا الطموح الفلسفي الواسع يفتح الباب أمام إشكالات نظرية عميقة تتعلق بحدود المفهوم ذاته وإمكاناته النقدية.

ومن أبرز هذه الإشكالات الخشية من أن يؤدي تفكيك مركزية الإنسان إلى تمييع القضايا النسوية، بحيث تفقد المرأة موقعها بوصفها ذاتًا سياسية محددة تعاني من أشكال قهر تاريخية ملموسة. فالسؤال المطروح هنا هو: هل يمكن الدفاع عن العدالة الجندرية دون الاحتفاظ بمرجعية إنسانية واضحة؟

كما يثير هذا الاتجاه تساؤلات حول مفهوم الذات السياسية، إذ إن تصور الذات بوصفها شبكة من العلاقات العابرة بين البشري وغير البشري قد يُضعف إمكان تحديد المسؤولية والمساءلة. ففي غياب فاعل محدد، تصبح آليات المحاسبة الأخلاقية والسياسية أكثر غموضًا.

ويُنتقد الخطاب ما بعد الإنساني أيضًا لاعتماده الكثيف على مفاهيم مجردة ومعقدة، ما يجعله بعيدًا عن الخبرات المعيشية اليومية لكثير من النساء. وقد أدى ذلك إلى اتهامه بالنخبوية الأكاديمية، وعجزه عن التحول إلى أداة سياسية فعّالة.

كما يُطرح إشكال التفاوت العالمي بحدة في هذا السياق، إذ تبدو النسوية ما بعد الإنسانية، في كثير من أطروحاتها، متجذرة في سياقات تكنولوجية متقدمة لا تعكس واقع النساء في المجتمعات الفقيرة أو المهمشة. فالتساؤل هنا يتعلق بمدى عالمية هذا الخطاب وقدرته على استيعاب تجارب الجنوب العالمي.

ومن الإشكالات المركزية كذلك العلاقة الملتبسة بين النسوية ما بعد الإنسانية والرأسمالية التقنية. فبينما تسعى الأولى إلى نقد السيطرة التقنية، يُخشى أن تتحول بعض أطروحاتها إلى تبرير غير مباشر للتكيف مع أنظمة تكنولوجية تُعيد إنتاج القهر بأشكال جديدة.

كما يُثار نقد يتعلق بإعادة تعريف الجسد، حيث يرى بعض النقاد أن التركيز على الجسد الهجين أو المتقاطع مع التقنية قد يُفضي إلى تجاهل الأجساد الضعيفة والهشة التي لا تملك القدرة على الوصول إلى هذه التقنيات.

ويُطرح أيضًا تساؤل حول مفهوم التحرر ذاته في النسوية ما بعد الإنسانية، إذ يبدو أحيانًا مفصولًا عن الصراع السياسي المباشر، ومائلًا إلى التأمل الفلسفي على حساب الفعل الجماعي المنظم.

ومن جهة أخرى، يُنتقد هذا الاتجاه لإفراطه في تفكيك الثنائيات دون تقديم بدائل عملية واضحة. فهدم الحدود بين الإنسان وغير الإنسان، والطبيعة والثقافة، قد يترك فراغًا مفاهيميًا يصعب ملؤه سياسيًا.

كما تثير النسوية ما بعد الإنسانية إشكال العلاقة مع التراث النسوي السابق، إذ يُخشى أن يؤدي التركيز على “ما بعد” إلى التقليل من قيمة النضالات النسوية التاريخية، أو التعامل معها بوصفها مراحل متجاوزة بالكامل.

ويبرز كذلك إشكال أخلاقي يتعلق بمدى إمكان بناء معايير قيمية مشتركة في إطار يرفض الكونية التقليدية. فإذا كانت كل القيم متموضعة وسياقية، فكيف يمكن الدفاع عن مبادئ العدالة والمساواة على نطاق واسع؟

وفي السياق ذاته، يُطرح نقد حول توسيع الدائرة الأخلاقية لتشمل غير البشر، حيث يرى بعض النسويات أن هذا التوسع، رغم أهميته، قد يأتي على حساب معالجة الظلم الواقع على النساء البشر في الحاضر.

كما أن التركيز على الترابط الكوني قد يُضعف إدراك علاقات الهيمنة المحددة تاريخيًا، ويجعل القهر يبدو كظاهرة منتشرة بلا مركز، ما يصعّب مقاومته.

ويُلاحظ أيضًا أن بعض الخطابات ما بعد الإنسانية تميل إلى التفاؤل المفرط بإمكانات التكنولوجيا، متجاهلة تاريخها بوصفها أداة للضبط والمراقبة والاستغلال.

ومن الإشكالات المنهجية غياب تعريف موحد لماهية النسوية ما بعد الإنسانية، حيث تتعدد المقاربات والتصورات إلى حد قد يُفقد المفهوم تماسكه النظري.

كما يثير هذا الاتجاه تساؤلات حول مفهوم الفاعلية النسوية، إذ لم يعد واضحًا من هو الفاعل السياسي، ولا كيف تُمارس المقاومة في عالم شبكي معقد.

ويُنتقد هذا التيار أيضًا لضعف ارتباطه بالممارسة الاجتماعية المباشرة، مقارنة بالنسويات الراديكاليات أو الاشتراكيات اللواتي ربطْن النظرية بالفعل.

وفي المقابل، يرى بعض المدافعين أن هذه الإشكالات لا تُضعف النسوية ما بعد الإنسانية، بل تكشف عن طبيعتها الانتقالية، بوصفها مشروعًا مفتوحًا لا يدّعي الاكتمال.

كما يمكن النظر إلى هذه الانتقادات بوصفها دعوة إلى مزيد من التوطين النظري، بحيث تُعاد صياغة المفاهيم ما بعد الإنسانية في ضوء سياقات اجتماعية وثقافية محددة.

وتكشف هذه الإشكالات عن الحاجة إلى توازن دقيق بين التفكيك والبناء، وبين النقد الجذري والالتزام السياسي.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام النسوية ما بعد الإنسانية لا يكمن في التخلي عن طموحها الفلسفي، بل في قدرتها على ترجمة هذا الطموح إلى أدوات تحليلية وسياسية ملموسة.

وأخيرًا، يمكن القول إن الإشكالات النقدية التي تواجه النسوية ما بعد الإنسانية تُعد مؤشرًا على حيويتها الفكرية، لا على فشلها. فهي تُجبر الفكر النسوي على مواجهة أسئلة غير مسبوقة حول المستقبل، والتقنية، والعدالة، ومعنى التحرر في عالم لم يعد إنسانيًا خالصًا.

عاشرًا: آفاق التحول من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية

يكشف هذا المسار التاريخي عن قدرة النسوية على تجديد ذاتها، والانتقال من خطاب المطالبة بالمساواة إلى مشروع فلسفي شامل يعيد التفكير في الإنسان والعالم. ويمثل هذا التحول أحد أكثر الاتجاهات الفكرية المعاصرة عمقًا ودينامية.

ويمثل التحول من النسوية الكلاسيكية إلى النسوية ما بعد الإنسانية مسارًا فكريًا معقدًا لا يقوم على القطيعة التامة بقدر ما يقوم على إعادة التأويل والتجاوز النقدي. فالمفاهيم التي صاغتها النسوية الكلاسيكية حول الحقوق والمساواة لم تُلغَ، بل أُعيدت صياغتها ضمن أفق فلسفي أوسع يعترف بتغير شروط الوجود الإنساني ذاته.

يكشف هذا التحول عن إدراك متزايد بأن نموذج الذات العقلانية المستقلة لم يعد كافيًا لفهم التجربة النسوية المعاصرة، في ظل عالم تتشابك فيه الذوات مع التقنيات والبيئات والشبكات الاجتماعية. فالذات لم تعد نقطة انطلاق ثابتة، بل كيانًا علائقيًا يتشكل باستمرار.

كما يعكس هذا المسار وعيًا نقديًا بحدود الخطاب الحقوقي حين يُفصل عن تحليل البنى التقنية والاقتصادية التي تعيد إنتاج اللامساواة بطرق جديدة. فالتحرر لم يعد يُقاس فقط بسنّ القوانين، بل بمدى القدرة على تفكيك أنظمة السيطرة الرقمية والبيولوجية المستجدة.

ويمثل تجاوز الثنائية التقليدية بين الإنسان والطبيعة أحد أبرز آفاق هذا التحول، حيث تسعى النسوية ما بعد الإنسانية إلى ربط قضايا الجندر بالعدالة البيئية. فاستغلال النساء والطبيعة يُفهم بوصفه نابعًا من منطق سيطرة واحد، يقوم على الاختزال والهيمنة.

كما تفتح هذه النسوية أفقًا جديدًا لفهم الجسد، لا بوصفه عبئًا أو عائقًا أمام الذات، بل كمساحة للتفاعل مع التقنيات والبيئات. ويؤدي هذا الفهم إلى تجاوز التصورات الجوهرانية للأنوثة، دون إنكار الخصوصية الجسدية.

وعلى المستوى السياسي، يشير هذا التحول إلى انتقال من سياسات الهوية المغلقة إلى سياسات التحالفات المرنة، التي تقوم على قضايا مشتركة بدل انتماءات ثابتة. ويُعد هذا الانتقال استجابة لتعقيد الواقع الاجتماعي المعاصر.

كما يعكس هذا المسار تحرر النسوية من مركزيتها الغربية، حيث تُفسح النسوية ما بعد الإنسانية المجال لتجارب نسوية متعددة، خاصة في الجنوب العالمي، دون إخضاعها لنموذج معرفي واحد.

ويُعيد هذا التحول طرح سؤال الفاعلية السياسية في عصر الرقمنة، حيث لم تعد الحركات النسوية محصورة في الفضاء المادي، بل أصبحت تعمل داخل شبكات رقمية عابرة للحدود، تحمل إمكانات جديدة ومخاطر جديدة في آن واحد.

ومن الناحية المعرفية، يُسهم هذا التحول في إعادة تعريف مفهوم المعرفة النسوية، بوصفها معرفة متموضعة ومتجسدة، تتشكل في تفاعل مع التقنيات والأجساد والبيئات، لا في عزلة عقلية مجردة.

كما يفتح أفقًا جديدًا للأخلاق النسوية، التي لم تعد تقتصر على العلاقات الإنسانية، بل تمتد لتشمل المسؤولية تجاه الكائنات غير البشرية، والأنظمة التقنية، والبيئة الطبيعية.

ويمثل هذا التوسع الأخلاقي استجابة مباشرة لأزمات العصر، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والتدخلات البيوتقنية، التي لا يمكن معالجتها ضمن إطار إنساني ضيق.

وفي هذا السياق، تبرز النسوية ما بعد الإنسانية بوصفها محاولة لإعادة صياغة مفهوم العدالة ذاته، بحيث يصبح أكثر شمولًا وتعقيدًا، وقادرًا على استيعاب تداخل أشكال القهر المختلفة.

غير أن هذا التحول لا يخلو من توترات نظرية، إذ يثير تساؤلات حول خطر تمييع القضية النسوية داخل أفق فلسفي واسع. إلا أن هذه التوترات يمكن فهمها بوصفها جزءًا من حيوية الفكر النسوي لا علامة على ضعفه.

كما يكشف هذا المسار عن قدرة النسوية على النقد الذاتي والتجدد المستمر، وهو ما يميزها عن كثير من المشاريع الفكرية المغلقة. فالنسوية، في هذا المعنى، ليست نظرية مكتملة، بل عملية فكرية مفتوحة.

ويمكّن هذا التحول النسوية من مواجهة تحديات المستقبل، لا بوصفها حركة احتجاجية فحسب، بل بوصفها إطارًا فلسفيًا لإعادة التفكير في معنى الإنسان ذاته.

وتُظهر هذه الآفاق أن النسوية ما بعد الإنسانية لا تنفي الإرث الكلاسيكي، بل تعيد قراءته في ضوء تحولات الواقع، محافظة على مكتسباته، ومتجاوزة حدوده.

وأخيرًا، يمكن القول إن الانتقال من النسوية الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية يعكس تحولًا أعمق في الفلسفة المعاصرة نفسها، حيث لم يعد السؤال هو كيف تتحرر المرأة داخل العالم القائم، بل كيف يمكن إعادة تصور العالم على نحو يجعل القهر، بكل أشكاله، غير قابل لإعادة الإنتاج.

خاتمة: النتائج والتوصيات

في ختام هذا المقال، يتضح أن المسار الذي قطعه الفكر النسوي من النسوية الكلاسيكية إلى النسوية ما بعد الإنسانية ليس مجرد انتقال بين تيارات فكرية متعاقبة، بل هو تحوّل فلسفي عميق في طريقة التفكير في الإنسان، والذات، والجسد، والسلطة، والمعرفة. لقد كشفت النسوية، عبر تاريخها، عن قدرتها الاستثنائية على مساءلة الأسس التي قامت عليها الفلسفة الحديثة ذاتها، لا بوصفها مشروعًا خارجيًا عنها، بل بوصفها نقدًا داخليًا يكشف تناقضاتها وحدودها.

فقد مثّلت النسوية الكلاسيكية لحظة تأسيسية لا غنى عنها، إذ نجحت في إدخال المرأة إلى أفق الإنسانوية الحديثة بوصفها ذاتًا عاقلة تستحق الحقوق والمواطنة. غير أن هذا الإنجاز التاريخي، على أهميته، ظل مشروطًا بنموذج حداثي للذات اختزل الإنسانية في العقل والاستقلال، وأغفل الأبعاد الجسدية والعلائقية والهشّة للتجربة البشرية. ومن هنا، بدأت التوترات الداخلية تظهر داخل الخطاب النسوي نفسه، دافعةً إياه إلى تجاوز منطق الإدماج نحو منطق التفكيك والنقد الجذري.

وقد مثّلت النسوية الراديكالية وما بعد الحداثية مراحل مفصلية في هذا المسار، حيث انتقل التحليل النسوي من مستوى القوانين والمؤسسات إلى مستوى البنى الرمزية والمعرفية التي تُنتج القهر وتُعيد تطبيعه. فالجندر لم يعد يُفهم بوصفه مسألة حقوق فحسب، بل بوصفه بنية سلطة متجذرة في اللغة، والجسد، والعلاقات اليومية. ومع هذا التحول، لم تعد الهوية النسوية معطًى ثابتًا، بل أصبحت موقعًا للصراع والتعدد والتقاطع.

ومع دخول العالم في طور التحولات التكنولوجية المتسارعة، بات واضحًا أن الأسئلة النسوية لم تعد قابلة للفهم ضمن أفق إنساني تقليدي يفصل بين الإنسان والتقنية، أو بين الطبيعة والثقافة. وهنا برزت النسوية ما بعد الإنسانية بوصفها استجابة فلسفية جريئة لعالم تتغير فيه شروط الوجود ذاته. فهي لا تكتفي بنقد المركزية الذكورية، بل تتجاوزها إلى نقد المركزية الإنسانية التي قامت عليها الحداثة، معتبرة أن كثيرًا من أشكال القهر الجندري والبيئي والتقني تنبع من منطق سيطرة واحد.

لقد أعادت النسوية ما بعد الإنسانية التفكير في الجسد بوصفه كيانًا علائقيًا، وفي الذات بوصفها عملية تشكّل مستمرة، وفي المعرفة بوصفها ممارسة متجسدة ومتموضعة. كما وسّعت أفق العدالة ليشمل الكائنات غير البشرية، والبيئة، والأنظمة التقنية، دون أن تتخلى عن سؤال المرأة ومعاناتها التاريخية. وبهذا المعنى، لم يعد التحرر يُفهم كاستقلال فردي مطلق، بل كقدرة على العيش داخل شبكات من الاعتماد المتبادل دون خضوع أو استغلال.

ومع ذلك، يكشف هذا المقال أن النسوية ما بعد الإنسانية ليست مشروعًا خاليًا من الإشكالات. فهي تواجه تحديات تتعلق بالتجريد النظري، وبإمكان الفعل السياسي، وبخطر تهميش الخبرات النسوية الملموسة، خاصة في السياقات غير التكنولوجية. كما تطرح أسئلة صعبة حول الفاعلية، والمسؤولية، والعدالة في عالم تتداخل فيه الذوات مع التقنيات والبيئات. غير أن هذه الإشكالات لا تُضعف المشروع بقدر ما تؤكد طابعه المفتوح، بوصفه مسارًا نقديًا لا يدّعي الاكتمال.

إن القيمة الفلسفية العميقة لهذا التحول تكمن في كونه يحرر الفكر النسوي من أسر النماذج الجاهزة، ويدفعه إلى مواجهة أسئلة المستقبل بدل الاكتفاء بإدارة أزمات الماضي. فالنسوية، في صيغتها ما بعد الإنسانية، لا تسأل فقط: كيف تتحرر المرأة؟ بل تسأل: أي عالم نريد أن نعيش فيه؟ وأي تصور للإنسان يمكن أن يمنع إعادة إنتاج القهر بأشكال جديدة؟

ومن هنا، يمكن القول إن الانتقال من النسوية الكلاسيكية إلى النسوية ما بعد الإنسانية يعكس تحولًا أوسع في الفلسفة المعاصرة نفسها، حيث لم يعد التفكير ممكنًا داخل حدود ثنائيات صلبة أو مفاهيم مغلقة. فالإنسان، والمرأة، والجسد، والتقنية، والطبيعة، جميعها باتت مفاهيم في حالة سيولة دائمة، تتطلب تفكيرًا نقديًا مرنًا، قادرًا على الربط بين العدالة الجندرية، والعدالة البيئية، والعدالة التقنية.

وفي الختام، يبيّن هذا المقال أن النسوية ليست مرحلة تاريخية عابرة، ولا نظرية مكتملة، بل ممارسة فلسفية نقدية مستمرة، تعيد مساءلة ذاتها بقدر ما تزعزع مسلمات العالم من حولها. ومن خلال هذا الانفتاح الدائم على النقد والتجدد، تظل النسوية—من الكلاسيكية إلى ما بعد الإنسانية—أحد أكثر المشاريع الفلسفية المعاصرة قدرة على التفكير في التحرر بوصفه أفقًا إنسانيًا (وما بعد إنساني) مفتوحًا، لا وعدًا مكتملًا ولا حقيقة منجزة.

هاشتاج: ..تحولات فلسفيةآلاءالكلاسيكية إلى النسويةصلاحما بعد الإنسانيةمن النسوية

إقرأ أيضاً

شجون حسن تكتب: الفضيلة التي تحرق أعناقنا 24 - جريدة المساء
صفحتهم

شجون حسن تكتب: الفضيلة التي تحرق أعناقنا

10 يناير، 2026
التنمر الإلكتروني.. حماية الأطفال مسؤولية الجميع 26 - جريدة المساء
صفحتهم

التنمر الإلكتروني.. حماية الأطفال مسؤولية الجميع

10 يناير، 2026
مادورو..حالة فردية أم عنوان لمرحلة جديدة؟ 28 - جريدة المساء
صفحتهم

مادورو..حالة فردية أم عنوان لمرحلة جديدة؟

10 يناير، 2026
لوجو المساء

هي أول جريدة مسائية في جمهورية مصر العربية تأسست عام 1956م, و هي أحدى إصدارات مؤسسة دار الجمهورية للصحافة.

أحدث المقالات

  • الشرع لوفد الغرف التجارية المصرى: علاقة القاهرة بدمشق ضرورة استراتيجية تمليها التحديات
  • المجلس القومي للمرأة ينعى د.هدى درويش
  • خدمات جديدة ..وطفرة في منشآت الرعاية الصحية الأساسية بالمنوفية
  • مصر ترفع رصيدها إلي 5 ميداليات في بطولة “سيرياس” للكاراتيه

إشترك معنا

أقسام الموقع

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا
  • من نحن

جميع الحقوق محفوظة © 2021 لـ المساء - يُدار بواسطة إدارة التحول الرقمي.

لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
  • آخر الأخبار
  • استاد المساء
    • رياضة
    • دوري المظاليم
    • رياضة عالمية
  • إتصالات
  • إقتصاد
  • أخبار المرأة
  • أدب و ثقافه
  • تعليم
  • فن
  • طيران
    • أخبار المطار و الطيران
    • الشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية
    • الشركة القابضة لمصر للطيران
    • وزارة الطيران المدني
  • المزيد
    • تحقيقات
    • أهالينا
    • الصحة والسكان
    • زراعة وري
    • مع تحياتي لـ “المساء”
    • مقال سمير رجب
    • الدنيا بخير

جميع الحقوق محفوظة © 2021 لـ المساء - يُدار بواسطة إدارة التحول الرقمي.