بقلم: د.مارينا إبراهيم ميخائيل
(مدرس الإذاعة والتليفزيون بقسم الصحافة والاعلام
ـ جامعة الاهرام الكندية)
لم تكن أفراح الميلاد في مصر يومًا مناسبة تخص فئة دون أخرى، بل كانت دائمًا مساحة للفرح الإنساني المشترك، حيث يلتقي المصريون على قيمة السلام قبل أي اختلاف. ففي هذا الوطن العريق، لم تكن الأعياد يومًا خطوط فصل، بل جسور تواصل، ولم تكن مناسبة للانقسام، بل لحظة تذكير بمعنى العيش الواحد والمصير المشترك. وفي زمن يمتلئ بالضجيج والصراعات من حولنا، من فنزويلا إلى فلسطين، ومن السودان إلى أوكرانيا، يبدو الميلاد كرسالة هادئة تقول للعالم إن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يولد من القلوب.
إن عيد الميلاد، في جوهره العميق، ليس مجرد طقس ديني أو مناسبة احتفالية عابرة، بل قيمة إنسانية كبرى، ترمز إلى الرحمة، والبدايات الجديدة، وتجدد الأمل في عالم أثقلته الحروب والانقسامات. هو تذكير دائم بأن الإنسانية قادرة، في لحظات الصفاء، على إعادة اكتشاف ذاتها بعيدًا عن لغة السلاح والكراهية. وفي مصر، ظل الميلاد عبر السنين مناسبة جامعة، يتشارك فيها الناس الفرح، وتلتقي فيها القلوب على معاني المحبة والسكينة، دون أن تسأل عن دين أو انتماء.
ومن هنا تتجلى خصوصية المواطنة المصرية، التي لم تُبنَ يومًا على الإقصاء، بل على العيش المشترك. فالتاريخ المصري، الممتد عبر آلاف السنين، يشهد بأن هذا الوطن كان دائمًا أرضًا للتعدد والتنوع، وأن اختلاف العقائد والثقافات لم يكن سببًا للصراع، بل مصدرًا للثراء الحضاري. الأعياد، وفي مقدمتها أعياد الميلاد، كانت دومًا أحد مظاهر هذه الوحدة المجتمعية، حيث يتحول الفرح إلى لغة مشتركة، وتصبح المناسبة فرصة لتعزيز الروابط الإنسانية، لا لتكريس الفوارق.
غير أن هذا المعنى الإنساني النبيل يأتي اليوم في عالم مضطرب، تتوالى فيه الأزمات والصراعات، وتدفع الشعوب ثمن صراعات لا تصنع مستقبلًا. فما تشهده فنزويلا الآن من أزمات واحداث معاصرة، وما تعانيه فلسطين من احتلال مستمر، وما يمر به السودان من نزاعات داخلية، وما تشهده أوكرانيا من فترات عصيبة، إلى جانب آلام اليمن وسوريا، كلها شواهد على عالم فقد بوصلته الأخلاقية، وأصبح السلام فيه مطلبًا إنسانيًا عاجلًا لا رفاهية فكرية. وفي كل هذه الصراعات، يبقى الأبرياء هم الخاسر الأكبر، بينما تتراجع قيم الرحمة والإنسانية أمام منطق القوة.
وسط هذا المشهد العالمي القاتم، تبرز رسالة مصر، التي طالما آمنت بأن السلام هو الخيار الأجدى، وأن الاستقرار هو السبيل الوحيد للبناء. فمصر، بحكم تاريخها وموقعها ودورها، تسعى دائمًا إلى التهدئة، وترفض الانسياق وراء ثقافة الكراهية أو خطاب الانقسام. وهي رسالة تتجدد مع كل عيد، ومع كل مناسبة تجمع المصريين على معنى أسمى من الخلاف، وتذكرهم بأن الوعي الجمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الفتن والتشدد والتطرف.
إن الاحتفال بالميلاد في مصر ليس فقط فرحًا دينيًا، بل هو فعل مواطنة، ورسالة سياسية وإنسانية في آن واحد، تقول إن هذا الوطن يتسع للجميع، وإن وحدته ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تتجسد في الشارع والبيت والمدرسة ومكان العمل. وحين تتحول الأعياد إلى جسور للوحدة الوطنية، فإنها تسهم في ترسيخ ثقافة السلام، وتحصين المجتمع ضد محاولات التفكيك والاستقطاب.
ختاماً، تظل الدعوة الروحية الوطنية الجامعة هي الأمل الباقي. دعوة لأن يملأ الله قلوبنا سلامًا لا خوفًا، وعقولنا إيمانًا ومعرفة، ووطننا طمأنينة واتحادًا. دعوة لأن ندرك أن الإيمان الحقيقي لا يقود إلى التعصب، بل إلى الخير والبناء، وأن السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية تحتاجها الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ولتَبقَ مصر، كما كانت دائمًا، وطنًا يحتضن أفراح أبنائه جميعًا، ويؤمن أن السلام هو الطريق الوحيد للمستقبل، وأن الأعياد، حين تُفهم بعمقها الإنساني، قادرة على أن تكون نورًا في زمن العتمة، وجسرًا يعبر به الوطن نحو غدٍ أكثر طمأنينة ووحدة.














