بقلم : شحاته زكريا
(باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)
السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه مع بدء انعقاد جلسات البرلمان الجديد لا يتعلق بكيف جرت الانتخابات ولا بمن فاز أو خسر فهذه تفاصيل باتت معروفة للجميع من النخبة إلى رجل الشارع البسيط. السؤال الأهم والأكثر إلحاحا هو: ماذا سيفعل هذا البرلمان الآن؟ وأي نوع من التشريع سيقدمه للمجتمع في مرحلة هي من أدق ما مر به الوطن؟.
نحن لا نعيش لحظة سياسية عادية بل مرحلة ضاغطة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع التحولات الإقليمية وتتداخل فيها مطالب الناس اليومية مع حسابات الدولة الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون البرلمان مجرد مؤسسة تشريعية بل يصبح أحد أعمدة الاستقرار أو أحد مصادر التوتر حسب اختياراته وأدائه.
هنا يبرز الفارق الجوهري بين تشريع الضرورة وتشريع اللحظة
تشريع الضرورة هو ذلك الذي ينطلق من فهم عميق لواقع الناس ويعالج الأزمات الهيكلية حتى لو كان صعبا أو غير شعبي على المدى القصير. أما تشريع اللحظة فهو استجابة سريعة لضغوط آنية أو محاولة لامتصاص غضب مؤقت دون رؤية طويلة المدى وغالبا ما يدفع المجتمع ثمنه لاحقا.
البرلمان الجديد مطالب بأن يحسم هذا الاختيار مبكرا.
الواقع يقول إن المواطن اليوم لم يعد منشغلا بالتفاصيل السياسية بقدر انشغاله بأسئلة المعيشة: الأسعار، الخدمات، فرص العمل، والقدرة على الاحتمال. لم يعد يهمه كم قانون صدر بل ماذا غيّر هذا القانون في حياته. ولم يعد يطلب وعودا جديدة بل يريد أن يرى أثرا ملموسا لما يُتخذ من قرارات.
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فالإفراط في تشريعات سريعة قد يمنح انطباعا بالحركة لكنه لا يصنع حلولا. كما أن الاكتفاء بدور شكلي للبرلمان بعيدا عن الرقابة الجادة ومناقشة السياسات العامة بعمق يوسع الفجوة بين المؤسسة التشريعية والمجتمع وهي فجوة لا تحتملها الظروف الحالية .. البرلمان ليس مطالبا بالصدام لكنه مطالب بالوضوح ليس مطلوبا أن يعارض من أجل المعارضة ولا أن يمرر من أجل التمرير بل أن يطرح الأسئلة الصعبة في التوقيت المناسب وأن يوازن بين اعتبارات الدولة ومتطلبات الناس وهو توازن دقيق لا ينجح فيه إلا برلمان يدرك حجم مسؤوليته التاريخية.
الاقتصاد على سبيل المثال يحتاج إلى تشريعات تعيد ترتيب الأولويات لا إلى مسكنات. قوانين تحمي الطبقات الأكثر تضررا دون أن تعرقل مسار الإصلاح وتشجع الاستثمار الحقيقي لا المضاربات وتضع ضوابط واضحة للأسواق دون خنقها. هذه ليست معادلة سهلة لكنها ممكنة إذا توفرت الإرادة والرؤية .. كذلك ملف الخدمات الذي طالما كان عنوانا للاحتكاك المباشر بين المواطن والدولة. هنا يصبح دور النائب الحقيقي هو الرقابة والمتابعة لا الاكتفاء بدور الوسيط أو ناقل الشكاوى. فالنائب ليس موظف خدمات بل مشرع ورقيب وإذا اختزل دوره في هذا الإطار الضيق خسر البرلمان معناه .. الأخطر من ذلك كله هو تشريع اللحظة السياسية حين تُكتب القوانين تحت ضغط الرأي العام أو مواقع التواصل دون دراسة كافية لتأثيراتها بعيدة المدى. في هذه الحالة يتحول البرلمان من صانع سياسة إلى رد فعل، ومن مؤسسة تفكير إلى أداة تهدئة مؤقتة.
التجربة السياسية تقول إن المجتمعات لا تتقدم بالقوانين الكثيرة بل بالقوانين الجيدة. ولا تستقر بالشعارات بل بالثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسساته. وهذه الثقة لا تفرض بل تبنى تدريجيا عبر أداء متزن ولغة صادقة وقدرة على الاعتراف بالتحديات قبل الحديث عن الإنجازات.
البرلمان أمام فرصة حقيقية وربما أخيرة ليعيد تعريف دوره في ذهن المواطن. إما أن يكون مؤسسة تشريعية تعبر عن الضرورة الوطنية وتدرك حساسية المرحلة وتعمل بعقل الدولة لا بعجلة اللحظة أو أن يكتفي بدور عابر يمر في الذاكرة دون أثر.
في النهاية لا ينتظر الناس من البرلمان معجزات ولا يطلبون صدامات مفتوحة بل يريدون شعورا بسيطا لكنه بالغ الأهمية: أن هناك من يفكر فيهم وهم خارج القاعة وأن التشريع لا يُكتب بمعزل عن واقعهم وأن أصواتهم مهما كانت درجة المشاركة أو الجدل حولها لم تذهب إلى فراغ.
البرلمان الجديد لن يقيم بخطابه الأول بل بما يفعله حين تهدأ الكاميرات وتبقى الملفات الثقيلة على الطاولة. هناك فقط سنعرف: هل كان تشريع ضرورة… أم تشريع لحظة.












