ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة..وضيفتنا في هذه السطور الأديبة سميرة أرميا والتي أهدت بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” أحدث إبداعاتها في ثياب القصة القصيرة،بعنوان “ميزان القدر“.
🍂
“كانت تكنُّ له كرهًا شديدًا.. فصارت جدةً لأحفاده”..كان شعرها الذهبي الطويل، المسترسل على كتفيها والممتد حتى أسفل ظهرها، مستفزاً له؛ فكان يعنفها بشدة كلما رآها. وهي من جانبها، كانت تكنُّ كراهية شديدة لهذا الفتى الذي يعمل بنّاءً في عمارة جدها الجديدة. من أين أتى بهذه الجرأة حتى يوجهها وينتقدها كلما مرت أمامه؟
كان جدها ثرياً جداً، لكنه لم يكن مغرماً بوسائل الرفاهية الحديثة، فلم يمتلك السيارات الفارهة ولا مظاهر الثراء الفاحش. كان شخصاً متواضعاً حكيماً، يشارك الخالق في خلقه فيؤمُّ الفقراء في الصلوات، ويسبح ويتلو آناء الليل وأطراف النهار. كان لديه ميزان حساس لتقييم الناس، ولم يكن يهمه كلام البشر.
أما حفيدته، فكانت آية من آيات الجمال؛ قوامٌ ممشوق كغصن البان، وعينان سماوان (أو سمراوان) غلبت في سحرها عيون المها. تتكلم بعجلة لكنها تتصرف ببطء.
أما ذلك البنّاء، فقد تعلم من مهنته الصبر والحكمة وطول الأناة، لكنه عندما يراها، كان يرى مكمناً للغضب. كان دائم التوجيه والنهر لها، محذراً إياها من التواجد وسط العمال بهذا القوام ونوع الملابس الغالية، وزينة الوجه المبالغ فيها، والشعر المتطاير الذي يشبه أغصان الصفصاف في الشتاء. وحينما تحل، كانت الكوارث تبدأ؛ من انهيار رصّات الطوب، وانقلاب أواني الإسمنت، وسقوط العمال من فوق السقالات. كثيراً ما نبهها، لكنها من شدة كرهها له، كانت تفعل عكس ما يأمرها به تماماً.
وفي إحدى المرات، حضرت لوالدها ببعض الأغراض وكان النهار على وشك الانتهاء. وضعت الأغراض واستسلمت لمنظر الغروب؛ تلك الشمس الشتائية بألوانها الحمراء والبرتقالية الممتزجة مع الأشجار البعيدة وأفق السماء، شكلوا معاً لوحة إلهية بديعة. وقفت الصبية تتأمل، ومر الوقت دون أن تدري حتى انصرف جميع العاملين، ومن بينهم والدها.
بدأ الظلام يحل، ولم يبقَ في المبنى الشاهق سوى ذلك الرجل الذي اعتاد مسح المبنى يومياً من الأعلى إلى الأسفل للتأكد من مغادرة الجميع. وبينما أنهى عمله في الدور الأخير وهمَّ بالنزول، سمع وقع خطوات لشخص ما؛ نظر فإذا هي!
قابلها بسيل من الاعتراضات والانتقاد: كيف تكون بهذا الإهمال والسرعة وعدم المسؤولية؟ ومن شدة أسلوبه القاسي والجاف بكت، ولم تعرف كيف تواجه هذا المتهور. صمت برهة، ثم أمرها بالنزول. وأثناء هبوطهما على السلم، أوضح لها بأسلوب رقيق ماذا سيقول الناس إذا رأوها تنزل في الظلام معه، وماذا سيكون الظن بها.
وهي تنزل، كان أحد المسامير بانتظارها؛ تسلل ببطء إلى فستانها وشقه شقاً طويلاً، كأن المسمار هو الآخر يعبر عن غضبه! اقترح عليها البنّاء أن تجلس برهة ليأتي لها بملابس أحد العمال من الطابق التالي لتستر نفسها. وبينما هو في مهمته، هطل المطر بغزارة وعلى غفلة، فهربت من المطر إلى داخل الشقة التي أمامها. عاد هو فلم يجدها، نادى عليها فأجابته من الداخل.
جن جنونه؛ فهذه الشقة بها مخاطر جمة، فآجر الطوب لم ينظمه العمال كما يجب، وبالأمس كاد يودي بحياة أحدهم، علاوة على عيوب في الصب الخرساني أدت لفتحات كبيرة. صاح بها: “التزمي مكانك!” ولم يكن يحمل أي ضوء. دخل إليها، وأثناء دخوله سمع صراخها فهرول وسط الظلام، مما أدى لوقوع الطوب وانغلاق المدخل، وكانت هي قد كسرت قدمها فعجزت عن الحركة.
قال لها: “المنطقة جديدة ولا يوجد أحد في الجوار، وباب الشقة انغلق علينا”. فتش في المكان فوجد بطانية متروكة، ولحسن الحظ لفتها بها وجلس بعيداً عنها يواسيها ويبث فيها الصبر، ويحكي لها حكايات من قديم الزمان ومن تجربته الشخصية كلما اشتد الألم بها، إلى أن بزغ الفجر. أزاح الطوب وحملها إلى الدور الأول وأجلسها بكرامة عظيمة.
كان الجد والأب والأعمام يبحثون عن الصبية طوال الليل، وكل يدلو بدلوه، لكن الجد كان يعرف أخلاق حفيدته. أخيراً تذكر الأب أنه كان آخر من شاهدها، فقال الجد: “هلموا للمبنى، اليوم إجازة ولعلها صعدت للسطح وحدث لها مكروه”.
بالفعل ذهبوا، ووجد الأب البنّاء يجلس بجانبها ويعد لها كوباً من الشاي، ومظهرها كان يبعث على الشفقة. انهال الأب على العامل بالضرب وهي تصرخ: “لا.. لا! لقد أنقذ حياتي!”. توقف الأب وسأل، وعرف القصة كاملة، فحملها للمنزل ووضعها أمام الجد والجميع حاضرون.
ولما علم الجد بالقصة، قال: “لابد أن تتزوجيه”. صُدم الجميع: “ماذا يا جدي؟”. قال: “إنه شخص شريف وعفيف، لم يمسها ولم ينظر إليها بسوء، ولديه أخلاق”. قال الأب: “يا أبي حنانيك، ما دام لم يقربها فلمَ نزوجها له؟ كيف نصاهر بسطاء القوم؟ ماذا يملك؟”. قال الجد: “حذارِ من الغيبة والظلم. من أين نشأ هذا الرجل إلا من بيت أصول؟ إنه رجلٌ قلما يجود به الزمان، ومن اؤتمن على العرض وصانه، يؤتمن على مال الدنيا. أين سنجد رجلاً مثله؟”. قال الأب: “وماذا سيكون موقعنا من كلام الناس وتعليقاتهم؟”. قال الجد: “لا يهم، لن يعرف أحدٌ تفاصيل الواقعة”. قال أحد الأعمام: “المشكلة ليست فينا، المشكلة فيه هو، سوف يرفض!”. فقال الجد: “هاتوه إليّ”.
وعند حضوره، عرض عليه الجد الأمر فرفض. فقال له الجد: “لماذا يا ولدي ترفض هدية القدير؟ قد أهداها الله لك، فهل ترد هديته؟”. قال له: “حاشا لله، ولكني فقير معدم”. فقال الجد: “المعدم هو معدم الأخلاق، وأنت غني بها. سنوفر لك وظيفة تليق بإمكاناتك، لتكن مشرفاً على المباني بحسب خبرتك، ولك مرتب ثابت، ولن نتوقف عن البناء، وسأبيع لك شقة بالتقسيط”. قال الشاب: “لا.. سوف نأخذ الشقة بالإيجار”.
وافق الجد وتم الزفاف، وعرفت هي حينها أنه مثلما كانت هي هدية من الله له، كان هو أيضاً هدية الله لها، وما كانت قسوته عليها إلا خوفاً شديداً من نظرات القلوب القاسية.














