بقلم: د.أسماء نوير
(دكتوراه في فلسفة العلم والذكاء الاصطناعي ، جامعة أسيوط)
»»مقاربة بين الارتقاء المهني ومخاطر الإقصاء
يُعد الذكاء الاصطناعي اليوم قوة فاعلة تعيد النظر في طبيعة العمل البشري وفي موقع الإنسان داخل المنظومات المهنية المعاصرة. فلم يَعد حضوره مجرد استخدام تقني يهدف إلى تحسين الأداء أو تسريع الإجراءات، بل أصبح عنصرًا يعيد تعريف مفهوم الوظيفة، وطبيعة المهارة، وحدود المسؤولية المهنية. وفي ظل هذا التحول المفهومي، يبرز سؤال أساسي يوجّه النقاشات الفكرية والاقتصادية: هل يمثّل الذكاء الاصطناعي فرصة لتجديد المهن وتطويرها، أم يثير مخاطر قد تمسّ ركائزها التقليدية؟.
تنبع أهمية هذا السؤال من طبيعة التحول الجاري، وهو تحول لا يتعلق بمجرد إدخال أدوات ذكية في بيئات العمل، بل بإعادة توزيع المهام بحيث تتقاسمها المنظومات التقنية مع الإنسان بطرق جديدة وغير مسبوقة. فقد دخل الذكاء الاصطناعي مجالات تقوم على الملكة العقلية لا اليدوية، مثل التحرير، والتحليل، والترجمة، والتصميم، والبحث العلمي، وإدارة البيانات، معملاً تأثيرًا مباشرًا على تقسيم العمل داخل المؤسسات.
أصبحت الخوارزميات اليوم قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال ثوان معدودة، وإنتاج صيغ أولية ونماذج تحليلية كانت تتطلب سابقًا ساعات من العمل المتواصل. غير أنّ هذا التطور لم يُلغِ الدور البشري، بل أعاد صياغته بصورة أعمق؛ فلم يعد حضور الإنسان مرتبطًا بالتنفيذ المباشر للمهام، بل بالقدرة على توجيه مخرجات الأنظمة، وتفسير دلالاتها، وتدقيقها بما ينسجم مع الخبرة المتخصصة والسياق المهني الأوسع.
وقد تناول العديد من الفلاسفة المعاصرين هذا التحول، محاولين فهم ملامحه العميقة وتبعاته الوجودية والمهنية. يرى الفيلسوف الكوري بيونج تشول هان، في كتاباته حول مجتمع الأداء، أن التقنية لا تُغير فقط آليات العمل، بل تعيد تشكيل الوعي الذاتي للعامل، بحيث تُحوله إلى منتجٍ دائم للبيانات يعيش تحت ضغط الكفاءة القصوى. ويخشى هان من أن يؤدي الاندماج غير المنضبط للذكاء الاصطناعي إلى تقويض فكرة الذات المتفردة التي تقوم على الخبرة والحدس والقدرة على التأمل. وفي المقابل، يذهب الفيلسوف نيك بوستروم إلى تصور أكثر تفاؤلًا مشروطًا؛ إذ يرى أن الأنظمة فائقة الذكاء قد تمنح الإنسان حرية أكبر للتحرر من المهام الروتينية والانخراط في أدوار إبداعية تتطلب حسًا نقديًا ووعيًا أخلاقيًا لا يمكن اختزاله في معالجة حسابية.
وفي ضوء هذه الرؤى المختلفة، يتضح أن التحول المهني لا يمكن قراءته قراءة أحادية. فمن جهة، يجلب الذكاء الاصطناعي كفاءة هائلة في إنجاز الأعمال التي تعتمد على التحليل المتكرر وجمع المعلومات وتصنيفها. ومن جهة أخرى، يثير مخاوف حقيقية تتعلق بإمكانية تهميش المهارات البشرية التقليدية أو استبدالها تدريجيًا. ويذهب بعض الفلاسفة، مثل برنار ستيجلر، إلى أن التقنية ليست مجرد أداة، بل هي “قوة تشكيل” تعيد تعريف قدرات الإنسان ومجالات فعله، محذرًا من مخاطر ما يسميه “الانفصال المعرفي”، أي لحظة يفقد فيها الإنسان قدرته على فهم الأنظمة التي يصنعها أو التحكم فيها.
ومع هذا التباين الفلسفي، يمكن القول إن النقاش حول مستقبل الوظائف لم يعد مقتصرًا على جدلية التعويض أو الإزاحة، بل انتقل إلى سؤال أعمق يتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والآلة. فالمستقبل المهني لا يتحدد بقدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام فحسب، بل بقدرة المجتمعات على توجيه هذا التحول، ووضع إطار تشريعي وأخلاقي يحفظ للإنسان قيمته وفاعليته. وفي هذا السياق، تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف “المهارة المهنية” بحيث لا تُختزل في المعرفة التقنية، بل تتسع لتشمل قدرات التعلم المستمر، والمرونة، والوعي بالسياق، والقدرة على اتخاذ القرارات المعقّدة التي تستدعي النظر في أبعاد إنسانية وأخلاقية.
لقد أدى انتشار الأنظمة الذكية إلى ترتّب مهام جديدة تُناط بالعامل المعاصر، تختلف عن المهام التقليدية التي كانت تعتمد على التنفيذ المباشر. ففي بيئة العمل اليوم، يُطلب من الإنسان أن يكون قادرًا على قيادة الأنظمة الذكية، ومراجعة مخرجاتها، وتصحيح أخطائها، وتوجيهها نحو أهداف المؤسسة. وهذا يتطلب فهمًا عميقًا لآليات عمل الخوارزميات، وليس مجرد القدرة على استخدامها بشكل سطحي. ولعل أهم ما في هذا التحول هو نشوء ما يمكن تسميته “المهن الهجينة”، التي تتوزع فيها المسؤوليات بين الإنسان والآلة، بحيث تعالج الأخيرة البيانات وتنتج توقعات أولية، بينما يتولى الإنسان التحليل العميق، وتحديد الأولويات، وتبني قرارات تراعي السياقين الاجتماعي والأخلاقي.
هذا التحول دفع مؤسسات عديدة حول العالم إلى إعادة النظر في برامجها التدريبية، إذ لم تعد الكفاءة المهنية تُقاس بسنوات الخبرة فقط، بل بالقدرة على التكيّف، واكتساب أدوات جديدة، وفهم العلاقات المعقدة بين التقنية والعمل. كما فرض على المؤسسات التعليمية أن تُعيد صياغة مناهجها لتواكب عصرًا يقوم على المعرفة الديناميكية لا على المهارة الجامدة. وقد بدأ يتشكل اتجاه عالمي يُعرف بـ”تعليم مدى الحياة”، يقوم على توفير فرص تدريبية مستمرة للعاملين، بحيث يبقون قادرين على مواكبة التطور السريع في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
وفي هذا الإطار، يبرز تحدي آخر له أبعاد اجتماعية واقتصادية، يتمثل في احتمال اتساع الفجوة بين الفئات القادرة على التكيف مع الأنظمة الذكية، وتلك التي تعتمد على مهن تقليدية يصعب إعادة تأهيلها سريعًا. ويخشى بعض المفكرين من أن يؤدي هذا التحول إلى نشوء “طبقة تقنية” تمتلك مهارات عالية وتستفيد من تطور الذكاء الاصطناعي، مقابل “طبقة مهنية” قد تواجه التهميش في حال غياب سياسات تعليمية واقتصادية عادلة. ومن هنا تبرز أهمية وضع تشريعات ناظمة توفر حماية للعامل، وتضمن توزيعًا عادلاً للفرص، وتحدّ من استخدام الخوارزميات بطرق قد تمس حقوق الأفراد أو تقلّص المجال المتاح للحسّ الإنساني في اتخاذ القرار.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات واسعة لإعادة بناء مفهوم العمل على نحو أكثر مرونة وإبداعًا. فبدلًا من أن يحل محل الإنسان، يمكن أن يشكل امتدادًا لقدراته، ووسيلة لتحريره من المهام المتكررة، وتمكينه من التركيز على مجالات ذات قيمة معرفية أعلى. وهذا بالضبط ما يشير إليه عدد من المفكرين الذين يرون في التقنية “أفقًا للتجاوز”، لا بوصفها قوة تلغي الإنسان، بل كقوة تستدعي منه أن يعيد التفكير في ذاته وفي قدراته. ويذهب بعضهم إلى أن التعاون الإنساني ـ الخوارزمي قد ينتج مستوى من الإبداع لا يمكن أن يحققه أي طرف بمفرده.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟ بل: كيف يمكن إعادة تصميم الوظائف بحيث يظل الإنسان في مركز العملية المهنية؟ فالتاريخ لم يشهد مرحلة ألغت فيها التقنيةُ العمل البشري بالكامل، بل شهد مراحل تطورت فيها طبيعة العمل واتسعت مجالاته. ومع كل ثورة تقنية، تظهر وظائف جديدة تستجيب للتحولات الاقتصادية والمعرفية. ومن المرجح أن الذكاء الاصطناعي سيسير في الاتجاه نفسه، بإنتاجه مهنًا لم تكن موجودة من قبل، مثل مهندسي السلوك الخوارزمي، ومختصي تفسير نماذج الذكاء الاصطناعي، ومصممي التفاعل بين الإنسان والآلة.
وأمام هذا المشهد المتغير، تبدو الحاجة ماسة إلى بناء نموذج مستقبلي يقوم على شراكة متوازنة بين البشر والأنظمة الذكية. هذه الشراكة لا تنفي اختلاف طبيعة الطرفين، بل تستثمره؛ فالآلة تمتاز بسرعة المعالجة والدقة، بينما يمتاز الإنسان بالبصيرة الأخلاقية والحس النقدي وقدرته على وضع القرارات في سياقها الاجتماعي والثقافي. وإذا ما تمكّنت المؤسسات من هندسة هذا التكامل بحكمة، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي من “تهديد للمهنة” إلى “إمكان لتحريرها” من محدودياتها التقليدية.
وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي لا يُختزل في ثنائية التهديد أو الفرصة، بل يتحدد بقدرتنا على توجيه هذا التحول وإدارته. فالذكاء الاصطناعي قوة معرفية هائلة، لكنه يظل بلا معنى إن لم يُوضع داخل إطار إنساني يضمن أن يبقى العمل فضاءً يعبّر عن الإبداع والخبرة والمسؤولية الأخلاقية. وحين يتحقق هذا التوازن، يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تكنولوجية، بل شريكًا في بناء مستقبل مهني أكثر عدلًا وثراءً وتعقيدًا، لا يلغي الإنسان بل يعيد اكتشافه في أفق جديد من الإمكانات.














