بقلم: أحمد شتيه
في توقيت بالغ الأهمية، جاء اللقاء بين محافظ دمياط ومديرة معهد علوم البحار ليؤكد أن التعامل مع المخاطر الطبيعية لم يعد رفاهية أو ترفًا إداريًا، بل ضرورة وجودية لمحافظة ساحلية تواجه تحديات متزايدة، على رأسها تآكل الشواطئ وارتفاع منسوب البحر واحتمالات الكوارث المفاجئة.
التعاون المرتقب يفتح الباب أمام نقلة نوعية في طريقة إدارة المخاطر الطبيعية، عبر الاعتماد على العلم والتكنولوجيا بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأزمات.
دمياط، بما تمتلكه من شريط ساحلي حيوي ومناطق مأهولة وأنشطة اقتصادية كبرى، تقف في خط المواجهة الأول مع التغيرات المناخية. التآكل المستمر للشواطئ، والتغيرات المفاجئة في التيارات البحرية، وارتفاع منسوب البحر، كلها مؤشرات لمخاطر لا يمكن تجاهلها.
ومن هنا، تأتي أهمية اللقاء باعتباره انتقالًا من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “استباق الأزمة”، وهي المعادلة التي تعتمدها الدول المتقدمة لحماية المدن الساحلية.
التعاون مع معهد علوم البحار يهدف إلى تجهيز منظومة رصد متكاملة تعتمد على أجهزة استشعار حديثة، ونماذج محاكاة رقمية، وتحليل بيانات مستمر لحركة الأمواج والتيارات وتغيرات الشاطئ.
هذه المنظومة لا تكتفي برصد ما يحدث، بل تمتد إلى التنبؤ بما قد يحدث، وهو الفارق الجوهري بين الخسائر المحتملة والإنقاذ المبكر.
المنظومة المقترحة ستوفر إنذارات مبكرة لأي تغيرات غير طبيعية، ما يمنح متخذي القرار الوقت الكافي للتدخل، سواء عبر تدعيم الشواطئ، أو حماية المنشآت، أو اتخاذ إجراءات وقائية تقلل من الخسائر البشرية والاقتصادية.
لسنوات طويلة، اعتمدت الحلول على تدخلات سريعة ومؤقتة لمواجهة تآكل الشواطئ.
أما التعاون الجديد، فيؤسس لرؤية علمية مستدامة تعتمد على فهم دقيق لطبيعة السواحل الدمياطية، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، واقتراح حلول هندسية وبيئية طويلة الأمد تحافظ على الشاطئ دون الإضرار بالنظام البيئي.
النتائج لا تقتصر على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والسياحة. شواطئ مستقرة وآمنة تعني جذب استثمارات جديدة، وحماية للثروة السمكية، وتأمين للبنية التحتية والمناطق السكنية.
كما أن امتلاك قاعدة بيانات علمية دقيقة يعزز من قدرة المحافظة على التخطيط المستقبلي، ويدعمها في الحصول على تمويلات ومشروعات دولية مرتبطة بالتغير المناخي.
ما يحدث في دمياط خطوة في الاتجاه الصحيح، بل يمكن اعتباره نموذجًا يُحتذى به لباقي المحافظات الساحلية.
الاعتماد على العلم والتعاون مع المؤسسات البحثية لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
التحدي الحقيقي لن يكون في توقيع بروتوكولات التعاون، بل في استدامة التنفيذ، وتوفير الدعم اللازم لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن قبل المسؤول.
دمياط اليوم لا تواجه البحر فقط، بل تُحسن الاستعداد له، وهذا هو الفارق بين مدينة تُهددها الكوارث، وأخرى تدير المخاطر بعقل الدولة الحديثة.














