لا يؤذينا بعمقٍ إلا من أحببناهم بصدق، لا لأننا مغفّلون، ولا لأننا أسأنا التقدير، بل لأننا في لحظة صفاء نادرة أسكنّاهم مواطن ضعفنا، وفتحنا لهم الأبواب التي لا تُفتح إلا لمن ظننّاهم الأمان كلّه. فالإنسان لا يتعرّى أمام الغريب، ولا يضع قلبه بين يدي كل عابر، إنما يفعل ذلك حين يطمئن، وحين يوقن أن اليد التي تمتد إلى روحه ستربّت لا ستطعن، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فكلما ازداد الحب صدقًا، ازداد معه الاستسلام، وكلما ازداد الاستسلام، ضاق هامش الحماية. نحن لا نُهزم لأننا أحببنا، بل لأننا أحببنا بعمق، ولا ننكسر لأننا وثقنا، بل لأننا منحنا الثقة بلا أقفال، وأعطينا الآخر حق الدخول إلى أضعف أركاننا، حيث الطفولة المختبئة، والخوف القديم، والجراح التي لم تلتئم تمامًا. إن الأذى الحقيقي لا يأتي صاخبًا، بل يتسلل هادئًا من شخص يعرف مواطن الوجع، ويدرك أي الكلمات تُسقِط الدموع، وأي الصمت يُوجِع أكثر من الكلام، فهو أذى العارف لا أذى الجاهل، وضربة القريب لا صفعة الغريب. ولعل أقسى ما في الأمر أننا لا نندم على الحب ذاته، بل نندم على مقدار الصدق الذي أفرغناه في قلبٍ لم يكن واسعًا بما يكفي، نندم لأننا حسبنا النوايا الطيبة درعًا، والمشاعر الصافية حصنًا، فإذا بها تتحول إلى نافذة يدخل منها الألم بلا استئذان. ومع ذلك لسنا مخطئين، فالخطأ ليس في القلب الذي أحب، بل في اليد التي لم تصن ما وُضع فيها، وليس العيب في من كشف ضعفه، بل في من استباح هذا الضعف وعدّه فرصة لا أمانة. سيظل الحب مخاطرة، وسيظل القرب امتحانًا، وسيبقى الألم ثمنًا محتملًا لكل صدقٍ حقيقي، لكننا رغم كل شيء لا نتمنى لو أننا لم نحب، بل نتمنى فقط لو أن من أحببناهم كانوا أكثر رحمة، وأكثر وفاءً للمواضع التي أسكنّاهم إياها داخلنا، فليس كل من دخل القلب جديرًا بالسكن، ولا كل من عرف ضعفك يستحق أن يبقى.














