بقلم : د.رحاب جاد
(دكتوراه فلسفة العلم والتكنولوجيا ـ كلية الآداب جامعة المنصورة
في زمن تتسارع فيه التغيرات، وتتشابك فيه التكنولوجيا مع الإنسان داخل بيئات العمل، لم تعد القيادة منصبًا إداريًا أو سلطة تنظيمية، بل أصبحت فلسفة تُمارس، ورؤية تُعاش، وقيمًا تنعكس يوميًا في القرارات والسلوكيات.
وهنا يُبرز السؤال الأهم: ما الذي يجعل قائدًا ما مؤثرًا، بينما يفشل آخر رغم امتلاكه نفس الأدوات والصلاحيات؟
الإجاية ببساطة تكمن في فلسفة القيادة.
فلسفة القيادة: المفهوم والجوهر
يُمكن للقادة الجيدين إظهار القيادة الفعالة بوسائل مُتعددة، مثل التوجيه، والإرشاد، وبناء التواصل الفعّال، أو من خلال تبني استراتيجيات إدارية مُبتكرة. إلا أن القادة الأكثر تأثيرًا هم أولئك الذين لا يتحركون بعشوائية، بل يستندون إلى فلسفة قيادة واضحة تُوجّه أفعالهم، وتمنح قراراتهم الإتساق والمعنى.
فلسفة القيادة هي مجموعة من المبادئ والقيم الأساسية التي تُشكل الإطار الذهني والأخلاقي الذي ينطلق منه القائد في تعامله مع فريق العمل، وإدارته للتحديات، وصياغته للقرارات.
وهي لا تُساعد القائد فقط على التركيز على ما يهمه فعليًا، بل تُسهم في تعزيز الإنتاجية، وبناء الثقة، وتحقيق التوازن بين الأهداف المؤسسية والبُعد الإنساني داخل المنظمة.
لماذا يحتاج كل قائد إلى فلسفة قيادة شخصية؟
فلسفات القيادة تتطلب من القائد فهمًا عميقًا لذاته :
قيمه، أولوياته، توقعاته من نفسه ومن الآخرين، وحدود ما يقبله أو يرفضه في بيئة العمل.
ولهذا، يجب أن تكون فلسفة القيادة :
• واضحة وسهلة الفهم.
• قابلة للتطبيق بشكل مستمر.
• غير متناقضة مع سلوك القائد اليومي.
وغالبًا ما يتم التعبير عنها في بيان مختصر، لكنه عميق الدلالة، يوضح للآخرين :
من أنا كــ قائد؟ وكيف أتخذ قراراتي؟.
فلسفة القيادة ليست قالبًا واحدًا ..
من المهم التأكيد على أن فلسفات القيادة شخصية بطبيعتها.
فلسفتك القيادية يجب أن تُعبر عن نوع القائد الذي تطمح أن تكونه، وليس صورة مُستنسخة من تجارب الآخرين.
ولهذا تختلف فلسفات القيادة من قائد لآخر؛ لأنها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقيم الشخصية، والأهداف المهنية، والخبرات العملية.
الهدف الأساسي من فلسفة القيادة الشخصية هو تحقيق الاتساق؛
اتساق بين ما يؤمن به القائد، وما يقوله، وما يفعله.
وينبغي أن تكون هذه الفلسفة معروفة للقائد نفسه أولًا، ثم لزُملائه ومرؤوسيه، حتى تتحول من مُجرد أفكار إلى ممارسة واقعية.
كيف تكتشف فلسفتك الشخصية في القيادة؟
أولًا: تحديد القيم
ابدأ بتحديد القيم الأساسية التي تهمك كقائد.
هل تسعى لأن يراك فريقك عادلًا وداعمًا؟
أم تُفضل أن تكون حاسمًا، جريئًا، ومُغامرًا في اتخاذ القرار؟
القيم هي البوصلة الأولى لأي فلسفة قيادية.
ثانيًا: تحديد الأهداف
حدد الأهداف التي تأمل في تحقيقها من خلال قيادتك، واختر هدفين رئيسيين يُمكن دعمهما بشكل مُستدام.
فالقيادة الفعالة لا تُبنى على أهداف مؤقتة، بل على رؤية طويلة المدى.
ثالثًا: البحث عن الإرشاد
تحدث مع قائد أو خبير تحترمه في مجالك، واسأله عن فلسفته القيادية.
ناقش معه القيم التي يؤمن بها، والأخطاء التي تعلم منها، ثم قارن ذلك بقيمك وأهدافك، واختر ما يتوافق مع هويتك القيادية.
رابعًا: مراجعة القوائم
راجع قائمة القيم والأهداف، وحدد الأكثر تأثيرًا بالنسبة لك.
اختر قيمة واحدة محورية، وهدفًا رئيسيًا، واسأل نفسك:
كيف يمكن لهذه القيمة أن تساعدني في تحقيق هذا الهدف؟.
خامسًا: إنشاء بيان القيادة
قم بصياغة بيان مُختصر يجمع بين القيمة والهدف.
قد تكون فلسفتك القيادية جملة واحدة واضحة، أو فقرة قصيرة، أو نقاط محددة.
الأهم أن تكون الصياغة صادقة، قابلة للتطبيق، وتعكس شخصيتك القيادية الحقيقية.
متطلبات فلسفة القيادة الشخصية
(1) فلسفة فريدة
يمكن الإستفادة من تجارب القادة الآخرين، لكن فلسفتك يجب أن تكون نابعة منك.
استثمر الوقت في تحديد قيمك الجوهرية، لأن وضوحها هو ما يمنحك القدرة على استخدامها بفعالية.
)2) فلسفة مقصودة
فكّر دائمًا في العلاقة بين قيمك وأهدافك المؤسسية.
يجب أن تنطلق قراراتك وتصرفاتك من فلسفة قيادية واعية، لا من ردود أفعال لحظية.
)3) فلسفة مُمارسة
فلسفة القيادة لا قيمة لها إن لم تُستخدم يوميًا.
يجب أن تكون دليلًا لإتخاذ القرار، ورسالة واضحة لفريق العمل حول ما تقدّره كقائد، وكيف ستقودهم نحو تحقيق أهداف المؤسسة.
رؤية تحليلية من منظور تخصصي
من واقع خبرتي في فلسفة التكنولوجيا، والموارد البشرية، وتدريب القيادات، أرى أن التحدي الأكبرالذي يواجه القادة اليوم ليس نقص الأدوات، بل غياب الفلسفة.
في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد القائد مطالبًا فقط بإدارة الأداء، بل بإدارة المعنى، وبناء الثقة، وخلق بيئة عمل إنسانية قادرة على التكيف مع التكنولوجيا دون أن تفقد هويتها.
القائد الذي يمتلك فلسفة واضحة، هو القائد القادر على استخدام التكنولوجيا كأداة تمكين لا كبديل للإنسان، وعلى تحقيق التوازن بين الكفاءة الرقمية والبعد الأخلاقي في اتخاذ القرار.
وأخيراً وليس آخراً ، فإن فلسفة القيادة ليست ترفًا فكريًا، ولا شعارًا تنظيميًا، بل هي جوهر القيادة الحقيقية ،ومن دونها، يُصبح القائد مُجرد مدير مهام، لا صانع تأثير.














