»» مجموعة قصصية تتسم بهيمنة الصوت الأنثوي واللغة الواقعية الرقراقة والنقد الاجتماعي الساخر
صدر حديثا ضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 المجموعة القصصية “سر الولي” للكاتبة الأديبة الدكتوره وداد معروف.
تقع المجموعة في 101 صفحة، صدرت عن دار “درة الشرق”، وتشمل تسع عشرة قصة قصيرة، تغوص في أعماق النفس البشرية، مسلطةً الضوء بشكل خاص على عالم المرأة وما يعتريه من تحديات صامتة وصراعات مكتومة في محيطها الأسري والعملي والمجتمعي.
تتميز هذه المجموعة بهيمنة الصوت الأنثوي واللغة الواقعية الرقراقة، كما يَتَبدَّى في هذه المجموعة النقد الاجتماعي الساخر لبعض السلوكيات المجتمعية، ونقتبس هذه السطور من قصة (ضحكات هاربة) هؤلاء الأطفال الذين يمرحون هنا في هذه الحديقة، أمرُّ بجوارهم يوميًّا وأصواتُ ضحكاتهم العالية تصيبني بالدهشة، لماذا يضحكون هكذا؟ وعلى أي شيء يضحكون! هل في الحياة ما يستحق هذا الفرح! كنت طفلةً مثلَهم ولا أظن أني ضحكت هكذا يومًا ما”.
التقطت الذات المبدعة إحدى صور الحياة التي طرحها الواقع أمامها في إطارها المجتمعي الذي تعايشه عبر لغة حية لا تَقعُّر فيها ولا ترهُّل.. عبرت في يسرٍ عن طبائع الشخوص وصورت ببراعة الأجواء المختلفة ووصفت بإتقان الأمكنة والأشياء في لغة أنيقة سلسة رفيعة النسج تخاطب كل مستويات التلقي.
وتعتمد معظم القصص على ضمير المتكلم (السرد الذاتي)، مما يخلق حالة من الحميمية والتدفق الشعوري، ويجعل القارئ شريكًا في التجربة الداخلية للشخصية.
ومن قصة (سر الولي) نقتبس هذه السطور: “على مدار عمري كلِّه وأنا أعرف هذا المقام، كان بين فصلي في المدرسة الابتدائية وبينه شارع ضيق، أجلس على مقعدي في الفصل وأرى القبة الخضراء وتحتها الزاوية التي لا تخلو أبدًا من الزائرين،” فهذا مفتتح قصة سر الولي، نسمع الرواية تتحدث عن هذا المقام الذي وعت على الدنيا فوجدته قائما في مكانه فكانت رحلة بحثها عن سر هذا الولي”.
وتركز الكاتبة على بناء الشخصيات من الداخل، وكشف عوالمها النفسية المليئة بالقهر المكتوم، والحنين، والرغبة في الخلاص، إن وداد معروف تصور الشخصيات البسيطة المحبطة المحرومة المقهورة، شخصيات لا يمكن نسيانُها؛ لأنها مرسومةٌ بدقة وصدق، ونابعةٌ من حقيقة جوانية للتجربة الفنية، والشخصية لها ثلاثةُ أبعاد، هي البعد البيولوجي الجسدي، والبعد السيكولوجي النفسي، والبعد الاجتماعي، وهناك بعدٌ رابع هو البعد الميتافيزيقي، الذي يربطنا بالغيب والله، وكاتبتنا تجيد رسم أبعاد شخصياتها التي استوحتها من البسطاء المقهورين في القرية، أو الحارة المصرية، فأنت عندما تمسك بالمجموعة القصصية سر الولي ؛ لا يمكن أن تتركها إلا بعد أن تنهيها، لأنك تريد أن تقترب من هذه الشخصيات.
كما لا يمكن أبدا أن ينعزل النص عن مجتمعه الذي أُنتج فيه، هذه النصوص حافلة حاشدة بالأنساق المضمرة التي أظهرتها موهبة الأديبة، الحكاءة البارعة، التي تأخذك في رحلة في عوالم الحكي الجميل.
كما يتجلى الوصف لديها؛ حيث التفاصيل الدقيقة التي تجيد التلميح والاشارة لها بذكاء فما تشعر بالملل قط، وكيف تجسدت النصوص وكانت ديناميكية السرد عالية، والمتعة حاضرة بقوة؛ وبنسق إنساني فريد !
إن القيمة الحقيقية للمجموعة القصصية (سر الولي) تكمن في صدقها وقدرتها على تعرية الواقع دون ادعاء أو زخرفة، تاركةً القارئ في حالة من التأمل العميق حول مفاهيم العدل، والكرامة، والبحث الدائم عن تحقيق الذات في عالم لا يتوقف عن وضع العراقيل.
“سر الولي” في نهاية المطاف، شهادة أدبية على أن أعظم القصص وأكثرها ألمًا وجمالًا، هي تلك التي تُروى بصمت في تفاصيل حياتنا اليومية.














