بقلم : ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس)
في عصر تتدفق فيه الأخبار والمحتويات من كل اتجاه، لم يعد الطفل أو المراهق يعيش داخل حدود المنزل فقط، بل أصبح جزءًا من عالم إعلامي مفتوح يتسلل إلى حياته عبر الهاتف والشاشة. ومع هذا الانفتاح الهائل، تزداد التحديات النفسية والفكرية التي تواجه الأبناء، ويصبح الحوار الأسري ضرورة ملحّة، لا مجرد وسيلة تواصل، بل درعًا نفسيًا يحميهم من الارتباك والقلق والتأثر السلبي.
ولقد غيّر الإعلام المفتوح طبيعة المعرفة، فلم يعد الأبناء ينتظرون التفسير من الأسرة أو المدرسة، بل تصلهم المعلومة مباشرة، وغالبًا دون سياق أو شرح. وهنا تظهر الخطورة؛ إذ قد يستقبل الطفل خبرًا صادمًا أو محتوى مضللًا دون أن يمتلك الأدوات النفسية أو العقلية لفهمه. ومن جهة أخرى، فإن غياب الحوار داخل الأسرة يترك الابن وحيدًا أمام هذا الكم من الرسائل، فيفسرها وفق مخاوفه أو تجاربه المحدودة، مما قد يضاعف شعوره بالقلق أو فقدان الأمان.
ومن هنا، يأتي الحوار الأسري كخط الدفاع الأول. فحين يجد الطفل أو المراهق مساحة آمنة للحديث عمّا يشاهده أو يسمعه، يبدأ في تفريغ مشاعره بدلًا من كبتها. كما أن الحوار الهادئ يساعد الأبناء على إدراك أن ليس كل ما يُعرض في الإعلام يمثل الحقيقة الكاملة، وأن بعض المحتويات تهدف إلى الإثارة أو جذب الانتباه أكثر من التوعية. وبذلك، يتحول الحوار إلى وسيلة لبناء الوعي النقدي، لا إلى مجرد تبادل للكلام.
بالإضافة إلى ذلك، يساهم الحوار الأسري في تعزيز الثقة بين الآباء والأبناء. فالشاب الذي يشعر بأن رأيه مسموع، وأن تساؤلاته لا تُقابل بالاستهانة أو التوبيخ، يكون أكثر استعدادًا للرجوع إلى أسرته عند مواجهة أي محتوى مربك أو موقف ضاغط. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الثقة تقلل من احتمالية لجوء الأبناء إلى مصادر غير موثوقة للحصول على التفسير أو الدعم.
ولا يمكن إغفال أن الحوار الأسري لا يعني فرض الرأي أو التقليل من مشاعر الأبناء، بل يعني الإصغاء أولًا، ثم التوجيه بهدوء. فطريقة الحديث لا تقل أهمية عن مضمون الحديث ذاته. وعندما يدرك الأبناء أن الاختلاف في الرأي مقبول، وأن التساؤل ليس خطأ، تتشكل لديهم شخصية أكثر توازنًا وقدرة على التعامل مع الواقع والإعلام معًا.
وفي زمن الإعلام المفتوح، يصبح الحوار وسيلة لحماية الأبناء من التطرف الفكري أو التبلّد العاطفي. فالإفراط في التعرض للمحتوى القاسي قد يؤدي إلى فقدان التعاطف، بينما الحوار يعيد التوازن الإنساني، ويذكر الأبناء بقيم الرحمة والتعاون والانتماء. كما أن مشاركة الأسرة في مناقشة الأحداث العامة تعزز الإحساس بالمسؤولية المجتمعية، وتربط ما يُعرض على الشاشة بالواقع الحقيقي.
لذا، يمكن القول إن الحوار الأسري لم يعد رفاهية تربوية، بل ضرورة نفسية وتربوية في آن واحد. ففي عالم مفتوح بلا قيود إعلامية واضحة، تظل الأسرة هي الملاذ الآمن، والكلمة الهادئة هي السند، والحوار الصادق هو الدرع الذي يحمي أبناءنا من الضياع وسط زحام الرسائل والصور. فحين نتحدث مع أبنائنا بوعي، نصنع منهم جيلًا قادرًا على الفهم، لا مجرد المشاهدة، وعلى التحليل، لا الانفعال، وعلى الثبات النفسي لا الهشاشة.














