بقلم :مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والاجتماعية)
لاشك أن الشباب هم مستقبل الأمم وقوتها الحقيقية، فبدون الشباب يموت الأمل، ويقل العمل، وتشيخ الأفكار قبل أن ترى النور. هم الطاقة المتدفقة، والعقل القادر على التجديد، والروح التي ترفض الاستسلام. ومصر، عبر تاريخها الطويل، لم تُبنَ إلا بسواعد شبابها، ولم تنهض إلا عندما آمنت بهم، وراهنوا هم عليها.
الشباب المصري اليوم لا يعيش زمنًا عاديًا، بل يقف في قلب عصر مليء بالتحولات والتحديات. عالم مفتوح بلا أبواب، ومنافسة شرسة لا تعترف إلا بالأقوى علمًا والأكثر مرونة. لم تعد التحديات تقتصر على البحث عن وظيفة، بل امتدت لتشمل الحفاظ على الهوية، ومواجهة الإحباط، والتمسك بالأمل في وطن يمر بمرحلة فارقة من تاريخه.
أحد أكبر التحديات التي تواجه الشباب هو التغير السريع في سوق العمل، حيث تختفي مهن وتولد أخرى، وحيث لم يعد الاعتماد على الشهادة وحدها كافيًا. هنا تصبح مصر في حاجة ماسة إلى شباب يمتلك المهارة، ويؤمن بأن التعلم المستمر هو سلاحه الحقيقي، وأن بناء الوطن يبدأ من بناء الذات. فالدولة التي تخطط لمستقبلها، لا بد أن يكون شبابها جزءًا من هذه الرؤية، لا متفرجين عليها.
أما التحدي الاقتصادي، فهو اختبار قاسٍ لطموح الشباب وصبرهم. ارتفاع تكاليف المعيشة، وضيق الفرص أحيانًا، يدفع بعضهم إلى الشعور بأن الطريق مسدود. لكن الحقيقة أن مصر، رغم كل الصعوبات، ما زالت أرض الفرص لمن يعرف كيف يقتنصها. والمطلوب هنا ليس فقط صبر الشباب، بل دعم حقيقي، وسياسات واضحة، ومساحة أوسع للمبادرة والابتكار.
ولا يقل خطرًا عن ذلك التحدي الفكري والوطني. فالشباب المصري يتعرض يوميًا لسيل من الأفكار المشوشة، ومحاولات التشكيك في كل شيء: في الوطن، وفي التاريخ، وفي المستقبل. وهنا تصبح المسؤولية مشتركة؛ مسؤولية دولة تعي خطورة المعركة الهادئة، ومسؤولية إعلام واعٍ، وتعليم يغرس الانتماء دون شعارات، ويصنع وعيًا لا يُخدع بسهولة.
ورغم كل هذه التحديات، يظل الأمل معقودًا على الشباب، لأنهم أثبتوا في لحظات كثيرة أنهم خط الدفاع الأول عن مصر. في الشدائد، وفي البناء، وفي مواجهة الأزمات، كان الشباب حاضرًا، يعمل، ويتطوع، ويبتكر، ويثبت أن هذا الوطن ما زال قادرًا على الإنجاب.
إن ربط الشباب بمصر لا يكون بالخطب الرنانة، بل بإشراكهم في القرار، والاستماع لأفكارهم، وفتح الطريق أمامهم ليحلموا داخل الوطن لا خارجه. فمصر لا تحتاج شبابًا غاضبًا أو محبطًا، بل شبابًا واعيًا يدرك حجم التحدي، ويؤمن أن الوطن يستحق المحاولة، بل ويستحق التضحية.
وفي النهاية، فإن مستقبل مصر لن يُكتب بالحبر وحده، بل بعرق شبابها. فإذا أردنا وطنًا قويًا، فعلينا أن نمنح شبابنا الثقة، ونحملهم المسؤولية، ونؤمن أن مصر، كما كانت دائمًا، لا تنهض إلا بأبنائها.














