ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة ..وضيفنا في هذه السطور الأديب الناقد أحمد فاروق بيضون،والذي يعرض لرؤيته النقدية لقصّة “العبد” للأديبة شيماء موسى .
(النص)
🍂
(العَبْدُ)
التمعَتْ عينَاه فظهرَ تلألُؤُ حلقةِ النّيرانِ الّتي أحاطتْ بسنابلِ القمحِ اليانعةِ المطلَّةِ منْ رأسِهِ، ازدادَ اتّساعُ عينيَّ وازدادَ جهلِي بالقادمِ، وعمدَ قلبِي للاستجابةِ بينمَا عقلِي ثابتٌ على قرارِهِ، لكنَّهُ لَمْ يتوقَّفْ، بلْ استمرَّ؛ فأصبحَ الوضعُ مُؤلِمًا وأنا أسمعُ نُواحَه المتكرّرَ:
– أنتَ منْ ستساعدُ روحِي على الخلاصِ ! أنتَ منْ ستجعلُنِي أرتاحُ أخيرًا، لا أحدَ سواكَ!
– لنْ أفعلَ شيئًا مِنْ هذَا ، أنَا لستُ عبدًا لكَ!
ظللتُ أصرخُ، ولكنَّهُ لمْ يستمِعْ إلى صوتي… ثرتُ ورحتُ أكسرُ الجدرانَ مِنْ حولي، لكنَّهُ لمْ يفهمْ… هذَا الغبِيُّ! التقطنِي بينَ يديهِ الكبيرتَين، ووضعَ جسدِي على بساطٍ منَ الحريرِ المريحِ، تركنِي وحيدًا دونَ رفقةٍ ودونَ ونيسٍ، يُحيطني الظّلامُ كالمعتادِ، لكنَّهُ باردٌ خالٍ مِنَ الرّوحِ هذهِ المرّةَ…
اقتربتُ أستشعرُ المحيطَ من حولي، وقرَّبتُ نفسِي مِنْ جسدٍ دافئٍ ناعمٍ وتلحّفتُ بروحِه؛ أحتمِي منْ بردِ اللّيلِ، كنتُ خائفًا على هذَا الجسَدِ البِلَّوريِّ الملمَسِ منَ الاحتكاكِ، لكنَّ البردَ راحَ يقرصُ أطرافي، دونَ تردُّدٍ، وبرغبتي في الحياةِ التحمتُ معهَا؛ فاستسلمَتْ بهدوءٍ لتكونَ آخرَ مرةٍ تتنفَّسُ فيها، ولأكونَ آخرَ جسدٍ تلمسُهُ قبلَ فراقِها…
الآن انتهَى كلُّ شيءٍ! سادَ السّكونُ، والظّلامُ سعيدٌ يتغذَّى على الطّاعةِ، أمَّا الجسدُ الحريريُّ فقَدْ أصبحَ باردًا! رُفِعَ الغطاءُ وأُضِيئتِ الغرفةُ بروحِه المعتمَةِ، وجدتُهُ يلتقطُني… ذلكَ البغيضُ! وببطْءٍ احتلّتنِي يداهُ وهُوَ يُربِّتُ على رأسِي الأسودِ الصّغيرِ قائلًا:
– عقربٌ صغيرٌ مُطيعٌ! كيفَ أُكافئُكَ يا صغيرِي على تخليصِي منْ هذِهِ الحيزبون؟!
صمتَ وقدْ تمنَّيتُ أنْ أراهَا ولو مرّةً واحدةً فقطْ، رُبّمَا لأحصلَ على مغفِرَتِها، ورُبَّمَا لأرتمِيَ بينَ أحضانِهَا، لكنَّني سُمِّرتُ بلا حراكٍ في حسْرةٍ وصمْتٍ احترامًا للجسَدِ المسجَّى أمامي دونَ حركةٍ، وتمنَّيتُ أنْ تتوقَّفَ أنفاسِي لأتحرَّرَ، فأنا دون إرادتي صرتُ عبدًا لهذا المجنُونِ.
🍂
بين أنسنة الحيوان وتحيون الإنسانية… تتحفنا القاصة أ. شيماء موسى:
قراء فلسفية في نص (العبد) استهلالية عنونة تحمل تنظيرا في العنوان في المعادل الموضوعي لجوهر الاستعباد، تم تعريفه ب(ال) البرهنة على حتمية المصير واستحالة التحرر، ثم بدأت القصة بأجيج العين الثائرة لذاك الذكر الهمجي التي كادت تحرق سنابل شعره بعدما ضاق ذرعا من أنثى مجهولة مسجية على الأسرة، فيستعبد (عقربا) بحثا عن الانعتاق أو إلحاق جرم بذاك الجسد الممدود على سطح حريري، مشهدية في محكمة الحياة بين عقرب – وهو راوي محايد ويمثل المقهور المجبر دونما إرادة على ارتكاب فعلته، ومجرم تقوده نفسه الأمارة وضحية لا حول لها ولا قوة الموصوفة بالحيزبون، برع القاص في تجريد الإنسانية من معاني الرحمة ونسبتها إلى العقرب الذي اضطره قرّ وبرد الطقس القارص أن يلوذ بحرارة جسد، فتسبب طواعية بأن يسلبه روحه (وبرغبتي في الحياة التحمتُ معها)، ليتجلى وازع الضمير والحسرة وهلكة الصمت في ذاك المخلوق الضعيف بين براثن وحش آدمي، فيزج به عبدا في زنزانة المصير، وكأن القصة تطلق صرخة بدلالاتها السيميائية الفلسفية النفسية في وجه كل متصف بإنسان..
شاعرية اللغة والانزياحات التركيبية والرمزية الفائقة التي تستحث التأويل هو ما أضفى رونقا وخصوصية للبناء السردي للقاصة، من جانب آخر نجد الابتكار في الرمزية بين الصورة الكتابية والاستبطان الذهاني من خلال إبراز المفارقات عن قصد؛ لما وصف العقرب ذاك المجرم بيديه الكبيرتين يمسكان جسده الصغير المتقزم للدلالة على أنه كمخلوق مجبور على الطاعة، الخاتمة الكاثاريتية الأرسطية حملت صدمة وواقع محتوم ربما كان متوقعاََ؛ لكنه يحمل تساؤلات ويضمر الجوهر الأروع الذي وصلت إليه عدسة الكاميرا بعد تريث وتفنيد الحدث لإماطة اللثام عن هوية النص الإبداعي الذي حاد عن الإيغال في السيميائية وعضد الثيمة المذكورة كعنوان للدراسة.. دام العطاء ولمزيد من التجريب والجرأة في لعبتكم السردية الناجحة.
🍂
رؤية نقدية بقلم: أحمد فاروق بيضون
قصّة .. شيماء موسى
بين أنسنة الحيوان وتحيون الإنسانية… تتحفنا القاصة شيماء موسى:
قراء فلسفية في نص (العبد) استهلالية عنونة تحمل تنظيرا في العنوان في المعادل الموضوعي لجوهر الاستعباد، تم تعريفه ب(ال) البرهنة على حتمية المصير واستحالة التحرر، ثم بدأت القصة بأجيج العين الثائرة لذاك الذكر الهمجي التي كادت تحرق سنابل شعره بعدما ضاق ذرعا من أنثى مجهولة مسجية على الأسرة، فيستعبد (عقربا) بحثا عن الانعتاق أو إلحاق جرم بذاك الجسد الممدود على سطح حريري، مشهدية في محكمة الحياة بين عقرب – وهو راوي محايد ويمثل المقهور المجبر دونما إرادة على ارتكاب فعلته، ومجرم تقوده نفسه الأمارة وضحية لا حول لها ولا قوة الموصوفة بالحيزبون، برع القاص في تجريد الإنسانية من معاني الرحمة ونسبتها إلى العقرب الذي اضطره قرّ وبرد الطقس القارص أن يلوذ بحرارة جسد، فتسبب طواعية بأن يسلبه روحه (وبرغبتي في الحياة التحمتُ معها)، ليتجلى وازع الضمير والحسرة وهلكة الصمت في ذاك المخلوق الضعيف بين براثن وحش آدمي، فيزج به عبدا في زنزانة المصير، وكأن القصة تطلق صرخة بدلالاتها السيميائية الفلسفية النفسية في وجه كل متصف بإنسان..
شاعرية اللغة والانزياحات التركيبية والرمزية الفائقة التي تستحث التأويل هو ما أضفى رونقا وخصوصية للبناء السردي للقاصة، من جانب آخر نجد الابتكار في الرمزية بين الصورة الكتابية والاستبطان الذهاني من خلال إبراز المفارقات عن قصد؛ لما وصف العقرب ذاك المجرم بيديه الكبيرتين يمسكان جسده الصغير المتقزم للدلالة على أنه كمخلوق مجبور على الطاعة، الخاتمة الكاثاريتية الأرسطية حملت صدمة وواقع محتوم ربما كان متوقعاََ؛ لكنه يحمل تساؤلات ويضمر الجوهر الأروع الذي وصلت إليه عدسة الكاميرا بعد تريث وتفنيد الحدث لإماطة اللثام عن هوية النص الإبداعي الذي حاد عن الإيغال في السيميائية وعضد الثيمة المذكورة كعنوان للدراسة.. دام العطاء ولمزيد من التجريب والجرأة في لعبتكم السردية الناجحة.














