..
أثار قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة الواردة من الخارج حالة واسعة من الجدل، رغم أن الضريبة في حد ذاتها ليست جديدة. فالرسوم الجمركية على الهواتف كانت قائمة منذ سنوات، لكنها لم تكن تُطبق بصورة صارمة أو منتظمة.
الجديد في المشهد هو آلية التنفيذ، بعد التعاون بين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومصلحة الجمارك، ما أدى إلى إحكام السيطرة على السوق وربط تفعيل الخدمة بسداد الرسوم المستحقة.
وفق الآلية الحالية، يمنح أي هاتف محمول وارد من الخارج مهلة 90 يومًا لسداد الضريبة، وفي حال عدم الالتزام يتم قطع الخدمة عنه.

هذا الإجراء أعاد التأكيد على أن الهاتف المحمول، كغيره من السلع، يخضع لقواعد جمركية واضحة، ولم يعد استثناءً كما كان في السابق.
وعلى مدار سنوات، كانت الهواتف المحمولة مدرجة ضمن السلع المعفاة من الجمارك، باعتبارها أداة أساسية. إلا أن الدولة قررت إلغاء هذا الاستثناء، وتصنيف الهواتف ضمن السلع غير الضرورية أو الاستفزازية، وهو ما فتح الباب أمام تطبيق الرسوم كاملة دون استثناءات.

هذا التوجه لا يُعد استثنائيًا في السياسات الاقتصادية، إذ تلجأ الدول عادة إلى أدوات جمركية وضريبية لحماية صناعاتها الناشئة أو دعم الإنتاج المحلي، خاصة في القطاعات التي تشهد فجوة واضحة بين الاستيراد والتصنيع.
بعد إلغاء قرار الإعفاء الجمركي، أصبحت الرسوم المحصلة على الهواتف الواردة من الخارج تؤول بالكامل إلى وزارة المالية وتصب في خزينة الدولة. ووفق البيانات المعلنة، تبلغ نسبة الرسوم الأساسية نحو 38% من سعر الهاتف.
غير أن بعض الهواتف، خاصة التي تتعدد فئاتها وفق السعة التخزينية أو الإصدارات، يتم احتساب الضريبة فيها على أساس أعلى فئة سعرية، حتى وإن كانت النسخة المستوردة أقل. هذا الأسلوب يرفع إجمالي العبء الجمركي إلى ما يقرب من 49% من قيمة الجهاز في بعض الحالات.
وتُعد هواتف ” آيفون ” .. الأكثر تأثرًا بالقرار، نظرًا لأن معظم الهواتف الواردة مع الركاب تنتمي إلى هذه العلامة، في حين أن غالبية الماركات العالمية الأخرى أصبحت تُصنع أو تُجمع محليًا داخل مصر.
القرار الجديد أنهى بشكل قاطع أي استثناءات كانت معمولًا بها سابقًا، مثل السماح بإدخال هاتف شخصي دون جمارك. كما أغلق مسارات التحايل التي انتشرت خلال السنوات الماضية، ومنها تسجيل هاتف شخصي على المنظومة ثم إعادة استخدامه من قبل أكثر من شخص.
هذا التشديد أسهم في إحكام السيطرة على السوق، ومنع تسرب الهواتف المهربة أو غير المسددة للرسوم، وهو ما كان يمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الرسمي ويؤثر سلبًا على المنافسة العادلة.
هذا ويرى المصنعون المحليون أن القرار يصب مباشرة في مصلحتهم. فمصر نجحت خلال الفترة الأخيرة في جذب 15 شركة عالمية لتصنيع الهواتف محليًا، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويًا. هذا التطور لم يكن ليتحقق دون ضبط السوق ومنع الإغراق بالمنتجات المستوردة أو المهربة.
وخاصة وان إحكام الرقابة الجمركية وفر بيئة أكثر استقرارًا للمستثمرين، وخلق فرص عمل مباشرة للمصريين داخل المصانع، إلى جانب نقل الخبرات وبناء قاعدة صناعية يمكن أن تتطور مستقبلًا إلى منتجات تحمل علامة “صنع في مصر” بقيمة مضافة حقيقية.
في المقابل، عبّر بعض المواطنين، خاصة المصريين العاملين بالخارج، عن اعتراضهم على إلزامهم بسداد ما يقارب نصف قيمة الهاتف كرسوم وجمارك عند إدخال جهاز للاستخدام الشخصي أو لأحد أفراد الأسرة. هذا الاعتراض يعكس تخوفًا مشروعًا من ارتفاع التكلفة مقارنة بالأسعار في الخارج.
لكن في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن ارتفاع الرسوم سيجعل الهواتف المصنعة محليًا خيارًا أكثر جاذبية من حيث السعر، ما يدفع المستهلك إلى الشراء من السوق المحلي بدل البحث عن بدائل خارجية.
على خلفية الجدل،
أعلنت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، عن استدعاء ممثلي الحكومة لمناقشة القرار داخل اللجنة. وتهدف الجلسة إلى بحث مبررات إلغاء الإعفاء، وآليات التطبيق، ومدى توافق القرار مع اعتبارات العدالة الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالمصريين العاملين بالخارج.
وأكدت أن اللجنة تسعى إلى فتح حوار شفاف مع الحكومة، لتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقرار، ومناقشة بدائل تحقق التوازن بين حق الدولة في تحصيل مستحقاتها وعدم تحميل المواطن أعباء غير مبررة.
وبحسب بيانات حكومية، تحملت الدولة نحو 16 مليار جنيه خلال العام الماضي نتيجة الإعفاءات المرتبطة بإدخال الهواتف من الخارج. في المقابل، تمتلك مصر قاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات السوق، مع وجود 15 علامة تجارية عالمية تنتج محليًا ملايين الأجهزة سنويًا.
هذه الأرقام توضح أن القرار لا يستهدف التضييق على المستخدم، بقدر ما يسعى إلى إعادة تنظيم سوق ظل لسنوات مفتوحًا دون ضوابط كافية، على حساب الصناعة المحلية وخزينة الدولة.














