بقلم: د.سارة محرم
(عضو لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بنموذج محاكاة مجلس الشيوخ)
لم تعد قضية الكلاب الضالة شأنًا هامشيًا أو ملفًا إنسانيًا قابلًا للتأجيل، بل تحولت إلى أزمة أمن مجتمعي وخلل بيئي واضح، تتطلب قرارًا سياسيًا حاسمًا يعيد ترتيب الأولويات، ويضع مصلحة الإنسان في الصدارة، كما أرادها الله وكما تفرضها مسؤولية الدولة.
إن الانتشار العشوائي للكلاب الضالة أحدث اضطرابًا خطيرًا في النظام البيئي، وخلق بيئة غير آمنة داخل المدن والقرى، وهدد الصحة العامة، وأصبح مصدر خوف دائم للأطفال وكبار السن والنساء والرجال على حد سواء. هذا الوضع لا يليق بدولة تسعى لترسيخ مفهوم الاستقرار والانضباط، ولا يتماشى مع أبسط حقوق المواطن في الأمان داخل المجال العام.
والأخطر من ذلك، أن هناك من يروج لحلول ظاهرها الرحمة وباطنها استنزاف لموارد الدولة، وعلى رأسها الدعوة إلى برامج تطعيم جماعية واسعة النطاق للكلاب الضالة، وكأن ميزانية الدولة بلا حدود.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا وصريحًا:
هل يُعقل أن تُوجَّه ميزانيات ضخمة لتطعيم كلاب ضالة، بينما قطاعات تنمية الإنسان أولى بهذه الموارد؟
الدولة لديها مسؤوليات أكبر وأهم:
الصحة، التعليم، تطوير العشوائيات، دعم الشباب، تمكين المرأة، ورعاية كبار السن.
الإنسان أولًا، ليس شعارًا، بل قاعدة سياسية ودستورية وأخلاقية لا يجوز العبث بها تحت أي مسمى.
إن تحميل الدولة أعباء مالية إضافية تحت ضغط شعارات عاطفية، يمثل خللًا في ترتيب الأولويات الوطنية، ويُعد انحرافًا عن الهدف الأساسي لأي سياسة عامة، وهو تنمية المجتمع وحماية المواطن.
وفي هذا السياق، هناك حلول أكثر عقلانية واتزانًا، من بينها التعامل مع الكلاب الضالة كملف إداري وتنظيمي، لا عبء دائم على الموازنة العامة.
فالدولة يمكنها، وفق ضوابط واضحة واتفاقيات منظمة، تصدير الكلاب للدول التي تحتاجها في مجالات الحراسة، أو التدريب، أو الاستخدامات الأمنية، بدلًا من تركها عبئًا متفاقمًا داخل الشارع المصري.
وهذا حل عملي يحقق التوازن بين إدارة المشكلة وعدم استنزاف موارد الدولة، دون الانسياق وراء حلول مكلفة وغير مستدامة.
أما ما يسمى بـ“أصحاب القلوب الرحيمة”، فيجب أن يُعاد تعريف دورهم بوضوح.
فالرحمة دون حساب للتكلفة، ودون نظر لسلامة الإنسان، تتحول إلى فوضى سياسية وضغط شعبوي، لا يخدم الدولة ولا المجتمع.
والأخطر أن يُفرض هذا المنطق على صانع القرار، وكأن حماية الحيوان أولى من حماية المواطن، في تناقض صارخ مع الدين والعقل.
وقد كرّم الله الإنسان وفضّله على سائر المخلوقات، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾،
بل إن إبليس حين رفض السجود لآدم اعتراضًا على تفضيل الإنسان، كان جزاؤه الطرد من رحمة الله.
فكيف نقبل اليوم أن نقلب ميزان القيم، ونُقدّم الحيوان على الإنسان، ونُضيّع أمن البشر باسم الرحمة؟
وكيف يتحول الدفاع غير المنضبط عن الحيوان إلى مبرر لتهديد حياة البشر، في تناقض صريح مع الدين والعقل والمنطق؟
إن الرحمة بالحيوان قيمة إنسانية ودينية لا خلاف عليها، لكنها رحمة منضبطة، لا تُمارَس على حساب الإنسان، ولا تتحول إلى فوضى تهدد المجتمع. أما ما يحدث اليوم، فهو خلط متعمد بين الرفق بالحيوان وغياب الدولة، وبين الإنسانية والتسيب.
*توصيات وسياسات مطلوبة للتعامل مع الظاهرة:
١-اتخاذ قرار سيادي حاسم باعتبار الكلاب الضالة ملف أمن مجتمعي وصحة عامة.
٢_رفض استنزاف الموازنة العامة في حلول مكلفة لا تعود بالنفع على الإنسان.
٣_توجيه الموارد لتنمية الإنسان أولًا باعتباره محور بناء الدولة.
٤-تنظيم ملف الجمعيات والناشطين ومنع فرض رؤى عاطفية على الدولة.
٥-بحث حلول بديلة عملية، من بينها التصدير للدول المحتاجة وفق ضوابط قانونية.
٦-تفعيل دور المحليات والمحاسبة على أي تقصير يهدد أمن المواطنين.
٧_إطلاق خطاب رسمي واضح يعيد ترتيب الأولويات ويؤكد أن الرحمة لا تعني الفوضى.
*إن الحسم في ملف الكلاب الضالة ليس قسوة، بل واجب شرعي، ومسؤولية سياسية، وضرورة مجتمعية.
الدولة القوية هي التي تحمي الإنسان أولًا، وتفرض النظام، ولا تسمح بأن تتحول الشوارع إلى ساحات خوف باسم الرحمة، ولا أن تُختطف قراراتها تحت ضغط العاطفة أو المزايدات.
فالإنسان مكرم، وأمنه خط أحمر، وأي دولة لا تضع هذه الحقيقة في مقدمة سياساتها، تُفرّط في جوهر دورها.














