ليس كل من اقترب كان محقًّا في الاقتراب، وليس كل من اعتاد حضورك يملك حق البقاء، فالقلب—مهما اتسع—لم يُخلق ليكون ممرًا عامًا، ولا الطيبة وُجدت لتُستهلَك حتى التعب.
في لحظة وعي صامتة يكتشف الإنسان أن بعض القرب لا يقوم على المحبة، بل على الاستفادة، وأن كثيرين لا يأتون بدافع الود، بل بدافع الاعتياد، يدخلون حياته كما لو كانت مفتوحة بلا حارس، ويغادرون دون أن يتركوا أثر شكر أو اعتراف.
يحسبون الصمت قبولًا، والحياء ضعفًا، والعطاء التزامًا دائمًا لا يحق لك التراجع عنه، يطلبون ثم يكررون الطلب حتى يفقد اسمه، فلا يعود رجاءً ولا ذوقًا، بل يتحول إلى حق مُختلق، وكأن الطيبة بند إلزامي في عقد لم توقّعه يومًا.
والأقسى أن هذا الاستنزاف لا يأتي من الغرباء، بل ممن اقتربوا بما يكفي ليعرفوا مواضع لينك، فيضغطون حيث تؤلم، ويطلبون حيث لا تُحسن الرفض.
تظنهم أصدقاء لأن الوجوه مألوفة، والكلمات دافئة، ثم يأتي الاختبار الحقيقي، فتكتشف أن بعض العلاقات لا تعرفك إلا وأنت قادر، حاضر، معطٍ، فإذا احتجت سقطت الأقنعة، وبقيت وحدك أمام الحقيقة.
ليس كل من ضحك معك صديقًا، ولا كل من قال أنا معك قادرًا على أن يكون معك حين يثقل الطريق.
وفي هذا كله يختلط على الناس الفرق بين الزن والحماس، فيرفعون الصوت ظنًّا أنه اهتمام، ويكررون الإلحاح على أنه محبة، بينما الزن فراغ متخفٍ، والحماس صدق هادئ، الأول يستنزف الروح، والثاني يوقظها دون أن يجرحها.
ومع النضج يفهم الإنسان أن الصمت ليس ضعفًا، وأن الانسحاب ليس هزيمة، وأن وضع الحدود ليس قسوة بل نجاة، فالطيبة التي لا يحرسها الوعي تتحول إلى عبء، والقلب الذي لا يُصان يُستهلك حتى الإنهاك.
لهذا نتعلّم أن نختار، لا من نحب فقط، بل من يستحق القرب، ومن يُسمح له بالبقاء، ومن يُترك عند العتبة دون شرح طويل، فالقرب امتياز، لا حق مكتسب، والقلب بيت، وليس خدمة عامة.














