# من أول السطر
تلوح في الأفق ملامح عصر جديد لعالم مغاير يجيد أطرافه الفاعلين ، اللعب علي “المكشوف” بلا مواربة، وبلا أقنعة سعيا لترسيخ مواقف تحددها المصالح الاستراتيجية ،ربما أكثر قوة وصلابة ،وأقل مثالية وربما بعيدة تماما عن حدود القيم ودبلوماسية المواءمة واللياقة الإنسانية “الغائبة”!.
ويبدو أننا علي موعد قريب من انتهاء “سنوات العسل” ، بين حلفاء الأمس ،والتي حددت لفترات طويلة ملامح وقوانين النظام العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وبعد موجات التغيير المتتابعة في المشهد الدولي وتشابكاته وخريطة التوازنات ، نحن في انتظار موجات أخري تدفعها الرياح السياسية المضطربة نحو تغييرات “جيوسياسية” مغايرة ستحدد لامحالة ملامح المستقبل.
وبين عشية وضحاها تحولت “جرينلاند”، أكبر جزيرة في العالم، من أرض الجليد الصامتة إلى بؤرة صراع استراتيجي واقتصادي عالمي ، فبينما كانت الجزيرة بالأمس مجرد مستعمرة دنماركية نائية تعتمد على الصيد البدائي، أصبحت اليوم “منطقة اهتمام” تتصدر مفاوضات القوى الكبرى في البيت الأبيض ، حول من له الحق المطلق في استعمار أرض الجليد واستثمار ثرواتها ومواردها.
وتشير “عركة جرينلاند” إلى أزمة دبلوماسية وسياسية كبرى فعلية ومحتملة الانفجار، اندلعت، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته للاستحواذ على جزيرة “جرينلاند” التابعة للدنمارك، ولكن يبدو أن النية كانت مبيتة سلفا ،ضمن برنامج ترامب السياسي وإدارته لإحداث خلخلة في استقرار الأوضاع الأممية وتحقيق مصالح استراتيجية جديدة.
ويسعى ترامب للسيطرة على الجزيرة لتأمين مواردها الطبيعية ـ بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة ـ ولأهميتها في نظام الدفاع النووي الأمريكي المعروف باسم “القبة الذهبية”.
وقد بدأت الأزمة بتكثيف واشنطن ضغوطها على الدنمارك للتنازل عن الجزيرة، مع رفض ترامب استبعاد خيار القوة العسكرية وتهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الواردات من الاتحاد الأوروبي.
وقد رفضت الدنمارك وجرينلاند والاتحاد الأوروبي هذه المطالب بشكل قاطع، معتبرين سيادة الجزيرة “خطاً أحمر”، وظهرت دعوات أوروبية لمقاطعة كأس العالم 2026 رداً على التهديدات الأمريكية.
وخلال منتدى “دافوس” الاقتصادي، قبل أيام أعلن ترامب تراجعه عن فرض الرسوم الجمركية واستخدام القوة العسكرية بعد لقائه بالأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
وتشير التقارير الحالية إلى توجه نحو تسوية تشمل زيادة تواجد قوات “الناتو” في القطب الشمالي، ومنح الولايات المتحدة حقوقاً سيادية في مناطق محددة من الجزيرة، ومنع الدول “المعادية” من استغلال معادنها.
وعلي خلفية تطورات الأحداث وصلت رئيسة وزراء الدنمارك “ميتي فريدريكسن” إلى جرينلاند يوم 23 يناير 2026 في زيارة تهدف إلى تأكيد السيادة بعد انتهاء المرحلة الحادة من الأزمة.
وبالنظر إلى التاريخ القديم فقد استوطن شعب “الإنويت الجزيرة منذ حوالي 5,000 عام ،وفي القرن العاشر الميلادي، وصل “الفايكنج” الجزيرة بقيادة إريك الأحمر وأطلقوا عليها اسم “الأرض الخضراء” لجذب المستوطنين، وهم شعوب جرمانية نوردية من النرويج، الدنمارك، السويد اشتهروا كملاحين، ومحاربين، وتجار.
وبدأت الدنمارك استعمار الجزيرة رسمياً عام 1721،وظلت مستعمرة حتى عام 1953، حين تحولت إلى مقاطعة دنماركية ذات تمثيل برلماني وكان المجتمع يعتمد كلياً على صيد الأسماك و”الفقمات” للبقاء، وظلت الجزيرة دهرا طويلاً معزولة تماماً عن الحراك السياسي العالمي.
وشهدت “جرينلاند” مع مطلع يناير 2026 تحولات جذرية على عدة أصعدة:
ـ الأزمة السياسية والسيادة: تجددت الأطماع الأمريكية في الجزيرة، حيث يطالب الجانب الأمريكي بمفاوضات فورية للاستحواذ عليها، في المقابل، يرفض نحو 85% من السكان المحليين (البالغ عددهم 56,500 نسمة) أي محاولات ضم، مؤكدين رغبتهم في الحفاظ على هويتهم الـ “جرينلاندية”.
ومن الحقائق “الصادمة أن التغير المناخي الذي اسهمت في صنعه وتداعياته الدول الصناعية الكبري ـ وعلي رأسها الولايات المتحدة والصين ـ أفقد الغطاء الجليدي في “جرينلاند” حالياً حوالي 250 مليار طن من الجليد سنوياً.
وهذا الذوبان، رغم كونه كارثة بيئية تهدد برفع مستوى البحار، كشف عن ثروات معدنية هائلة وجعل الجزيرة أكثر “اخضراراً”.
ـ الاقتصاد الحديث: رغم استمرار الاعتماد على الصيد (الذي يشكل 98% من الصادرات)، انتقل معظم شعب “الإنويت” إلى العمل بأجر لتوفير احتياجات الحياة العصرية ،كما تسعى الجزيرة لاستغلال مواردها من المعادن النادرة، حيث ارتفعت أسهم شركات التعدين العاملة هناك (مثل ETM) بشكل ملحوظ في مطلع عام 2026.
ـ البنية التحتية: تدرس واشنطن حالياً إنشاء مركز بيانات ضخم في مناطق نائية بالجزيرة، مما يعزز أهميتها التقنية بجانب موقعها العسكري كبوابة لأمن القطب الشمالي.
وإجمالا ،فالخلاف السياسي حول جرينلاند يمتد ليشمل عدة أبعاد، بما في ذلك:
ـ الأبعاد الاستراتيجية:
١ـ الموقع الجغرافي: حيث تتمتع “جرينلاند” بموقع استراتيجي في القطب الشمالي، مما يجعلها ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة والصين وروسيا.
٢ـ الموارد الطبيعية: الجزيرة غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن، مما يجعلها هدفًا للتنافس الدولي.
ـ الأبعاد الاقتصادية:
١ـ الاستثمارات: جرينلاند تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية لتطوير اقتصادها وتحسين مستوى المعيشة لشعبها.
٢ـ الاعتماد على الدعم: جرينلاند تعتمد على الدعم المالي من الدنمارك، مما يجعلها تسعى لتعزيز استقلاليتها الاقتصادية.
ـ الأبعاد السياسية:
١ـ الاستقلال: جرينلاند تسعى لتعزيز استقلاليتها عن الدنمارك، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدنمارك.
٢ ـ التعاون الدولي: جرينلاند تسعى لتعزيز التعاون الدولي مع الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ـ الأبعاد الأمنية:
١ـ الأمن القومي: تتمتع الجزيرة بأهمية استراتيجية للأمن القومي للولايات المتحدة والدنمارك، مما يجعلها هدفًا للتنافس الدولي.
٢ـ التعاون الأمني: “جرينلاند” تسعى لتعزيز التعاون الأمني مع الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والدنمارك.
ـ الأبعاد الثقافية
١ـ الهوية الثقافية: “جرينلاند” تتمتع بهوية ثقافية فريدة، مما يجعلها تسعى للحفاظ على تراثها الثقافي وتعزيزها.
٢ ـ اللغة والتعليم: تسعى الجزيرة لتعزيز اللغة والتعليم، مع الحفاظ على الروابط الثقافية مع الدنمارك.
وبالنظر إلى ما حدث في منتدى “دافوس” مؤخرا علي خلفية اختلاف الرؤي حول حاضر ومستقبل “جرينلاند” ،فهو يكشف عن حقيقة الخلاف المستتر ،وما يحاك خلف الكواليس وفقا لمتطلبات استراتيجية المصالح المطلقة ،ولا يمكن اختزاله في خلاف عابر بين حلفاء، ولا في مجرد تهديدات وتصريحات متبادلة على منصات التواصل.
ويبدو أننا أمسينا أمام لحظة كاشفة، يتعرّى فيها النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ويتفكك تدريجيًا بهدوء بعيدا عن التراشق ،الصدام المباشر، “الجعجعة” ،والضجيج، الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية أحيانا.
وكما يري بعض المحللين ، فلم يعد هذا التفكك مفاجئًا، بل صار نتيجة منطقية لنهج أمريكي متصاعد، وصمت أوروبي طويل تحوّل من حذر سياسي إلى هشاشة استراتيجية، فالصمت، حين يطول، لا يضمن الاستقرار، بل يراكم الحال ويمهد للانفجار.
وقد بلغ التوتر أشده بعد التحول من منطق التنسيق والتحالف إلى منطق التهديد والإملاء بعد غطرسة واشنطن وإصرارها على فرض واقع جديد في “جرينلاند”، رغم الرفض الأوروبي الصريح، وهو ما يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة العلاقة يينهما.
ولم تعد واشنطن ترى شركاء أو تاريخًا مشتركًا، بل مصالح خالصة، فهي عازمة علي المضي قدما لتنفيذ سياساتها وفرض توجهاتها ،ومن يعارضها يصبح عقبة يجب تجاوزها بكافة السبل.
ومع سقوط الاقنعة وتراجع التوافق التاريخي بين أمريكا وحلفائها جاء الرد الأوروبي هذه المرة مختلفًا، وبدت لغة خطاب الرئيس الفرنسي في دافوس حاملة نبرة غير مسبوقة، حين أشار إلى أن العالم يتجه نحو نظام أقل التزامًا بالقواعد، وأن خيار الصمت أو القبول بالأمر الواقع لم يعد مطروحًا.
والأهم من الخطاب كان ما تلاه، حين بدأ الحديث الأوروبي العلني عن بدائل استراتيجية، بما فيها فتح الباب أمام الاستثمارات الصينية في قطاعات حيوية، في محاولة لإعادة التوازن، بعيدا عن فكرة استبدال التحالفات،وايضا إرسال رسائل للإدارة الأمريكية بأن أوربا قادرة أن تقول “لا”!.
وبعيدا عن طموح رؤساء أمريكا في ترك بصمات تاريخية دامغة يري البعص أن الولايات المتحدة ،ووفقا لاستراتيجيات مؤسسية راسخة لن تتنازل عن مرتبة “الصدارة” الأممية وترفض الترويج لسردية انتهاء القطب الواحد وتدشين عالم متعدد الأقطاب ،كما تسعي بكافة الوسائل لسد الطريق علي طموحات قوي دولية أخري كروسيا والصين لنيل جزء من كعكة”جرينلاند”.
وعلي الجانب الآخر فلن يسمح حلف الناتو للنيل من كبريائه، فهو مطالب وفقا لقوانين وتعهداته بالدفاع المشترك عن نفوذ الدنمارك باعتبارها أحد الأعضاء ،ومن ثم فلن يكون الطريق معبدا أمام طموحات واشنطن “اللامحدودة”!.
كما يطارد البعض وربما جميع الأطراف شبح “نكبة” فنزويلا، واعتقال “مادورو”، بهذه الطريقة العبثية ،تخوفا من تكرار السيناريو وفرض الأمر الواقع وتمرير قناعات الولايات المتحدة رغما عن أنف الجميع.
وبينما تمد واشنطن قدما، وتؤخر الثانية ،وتلمح تارة بالحرب وتارة بالدبلوماسية، للخروج من مأزق و”عركة” جرينلاند بالمزيد من المكاسب والامتيازات ،علاوة لما لها من قواعد عسكرية هناك، وربما تطرح سيناريو تقاسم المعادن النادرة كما فعلت مع أوكرانيا ورضخ “زييلنسكي”، مضطرا “صاغرا” لدفع تكلفة حربه اللعينة مع روسيا،والتي لم تضع أوزارها بعد!.
وفي تقديري واتفاقا مع بعض الرؤي الاستراتيجية فإن ملف “جرينلاند” ملفا معقدا ومتشابك الأبعاد ،وأن مستقبل العلاقات بين أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي ستشهد مزيدا من التوتر في المستقبل المنظور بعد تلويح ترامب الدائم باستخدام سلاح الرسوم الجمركية، أو بمعني أدق العقوبات الاقتصادية “المقنعة”، وربما قاب قوسين أو أدني من المراجعة النهائية قبل اتخاذ قرارات الانفصال ،فلم تعد تتسم بالتوافق الكامل والتطابق المطلق لوجهات النظر وفقا لمتطلبات النفعية وتكريس الهيمنة السياسية والاقتصادية علي مشارق الأرض ومغاربها ..
واعتقد أن الايام وحدها هي الكفيلة بالكشف عن حقيقة النوايا والمقاصد وعن مصير عالم اليوم والغد.. وإنا لناظرون.
#..














