مرات قليلة وعابرة التقيت فيها اللواء خالد اللبان، مساعد وزير الثقافة لشئون الهيئة العامة لقصور الثقافة، ومكالمة تليفونية وحيدة تلقيتها منه، هذا كل ما بيننا، لكن الأمانة تقتضي القول إن الرجل في غاية الذوق والاحترام، فضلا عن إخلاصه في عمله، وحرصه على انضباطه، كما يشهد المحيطون به والمتعاملون معه.
ولأنه كذلك، فليسمح لي أن أهمس في أذنه بأن هيئة قصور الثقافة هي خط الدفاع الأول، وربما الوحيد، عن الثقافة المصرية، يعني لو بعنا وزارة الثقافة نفسها، فإن الاقتراب من الهيئة خط أحمر.
الذي أعرفه أن اللواء خالد اللبان جاء إلى الهيئة مكلفا بأهداف استثمارية، بمعنى أن تحقق الهيئة، أو بعض أنشطتها، دخلا للوزارة، والهيئة تحقق فعلا بعض الدخل الآن، من تأجير المسارح على سبيل المثال، أو من “سينما الشعب” المشروع الفاشل والعبثي بامتياز، لكن هذا الدخل، مقارنة بميزانية الهيئة، التي تشمل رواتب الموظفين ونفقات الأنشطة، يعد صفرا على الشمال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحقق الهيئة أرباحا تعادل 1% من ميزانيتها، إلا في حالة واحدة، أن تحول بيوت وقصور الثقافة في الأقاليم إلى مولات وبوتيكات ومطاعم فول وطعمية، أو كبدة وفراخ مشوية وكده.
هذه الهيئة أنشئت بالفعل للاستثمار الثقافي، لكن الاستثمار هنا لا يعني جلب أموال، بل يعني إنفاق أموال، والعائد في الحالة الثانية أكبر وأهم بكثير، فبيت أو قصر الثقافة في الأقاليم هو المتنفس الوحيد للمواطنين، لممارسة النشاط المسرحي، والأدبي، والموسيقي، وأنشطة المرأة والطفل، ونوادي التكنولوجيا، والمكتبات، وغيرها من الأنشطة التي بدونها سيذهب الناس إلى الجحيم، جحيم التطرف والإرهاب، فضلا عن أن مثل هذه الأنشطة تستوعب طاقات الشباب والأطفال، وتعمل على تطوير وعيهم وتنميتهم ثقافيا وفكريا، إذا كان القائمون عليها مؤمنين بجدواها أصلا، فبعضهم أكثر تطرفا مما نظن، وبدون الهيئة ومنشآتها وأنشطتها تخسر مصر الكثير.
ما أريد تنبيه اللواء اللبان إليه هو صعوبة، أو بمعنى أدق، استحالة أن تحقق الهيئة أرباحا يعتد بها، وحتى هذه الأرباح، النادرة والهزيلة، تؤثر على النشاط الأساسي للهيئة وتضربه في مقتل، دور الهيئة خدمي، تنفق من أموال دافعي الضرائب على عمل ثقافي مهم وضروري، تعود فائدته في النهاية على الدولة في صورة مواطن واع ومستنير.
الهيئة تخدم ملايين المواطنين، وربما تكون المؤسسة الثقافية الوحيدة التي يمتد تأثيرها إلى كل بقعة على أرض مصر، فإذا “نخورنا” فيها بهدف تحقيق أرباح فهذا في ظني عمل غير وطني أربأ بالرجل أن يقوم به، فلا أحد يشكك في وطنيته وإخلاصه.
اللواء خالد اللبان: إذا كان مطلوبا منك أن تحقق أرباحا، فاعلم أنه لم يطلب من رئيس للهيئة قبلك أن يفعلها، واعلم أنه كلما زادت ميزانيات الهيئة، وكلما ابتعدت عن فكرة تحقيق الأرباح، كلما عظم دورها وتأثيرها، وكلما قدمت خدمة جليلة للوطن، الذي أثق أنك حريص عليه وتحبه مثلنا، عليك أن تنسى فكرة الاستثمار العكسية، وتهتم بالاستثمار في الشباب وتوفر لهم البيئة المناسبة لممارسة أنشطتهم والميزانيات التي تمكنهم من ممارسة هذه الأنشطة، والابتعاد تماما عن أي أفكار تخص تحقيق أرباح، لأن هذه المحاولات سوف تبوء بالفشل، وهو ما لا أرجوه لك.
يسري حسان يكتب: لماذا لا تصدر وزيرة الثقافة قرارا بإغلاق مسارح الأقاليم؟











