يواصل الإعلامي د. عمرو الليثي حديثه عن العلاقة الملتبسة بين الإعلان والدراما، ويظل السؤال الجوهرى حاضرًا بإلحاح أكبر: من يقود من؟ وهل ما نراه اليوم هو تطور طبيعى للصناعة، أم انحراف عن مسارها الفنى والثقافى؟
وتابع الليثي قائلا العودة إلى نماذج من الماضى، سنجد أن معادلة الإنتاج كانت مختلفة جذريًا. المنتج الدرامى فى عقود سابقة لم يكن يبدأ تفكيره بالسؤال: «من النجم؟»، بل بالسؤال الأهم: «ما القصة؟ وما الذى سيقوله هذا العمل؟». جودة النص، عمق الفكرة، وقوة البناء الدرامى كانت هى الأساس. البطل لم يكن هو العمل، بل العمل هو الذى يصنع البطولة. ولهذا خرجت إلى النور أعمال خالدة، لا تزال تُشاهد وتُناقش حتى اليوم، رغم غياب «نجم الشباك» أحيانًا، أو وجود أسماء لم تكن بعد فى قمة نجوميتها.
فى تلك المرحلة، كان المعلن يأتى لاحقًا، لا سابقًا. الإعلان كان يسعى لوضع اسمه على عمل ناجح ومتميز، لأنه يدرك أن القيمة الحقيقية تكمن فى الارتباط بمحتوى محترم، له جمهور واسع وتأثير طويل المدى. لم يكن المعلن يفرض شروطه على النص أو الشخصيات أو الإيقاع، بل كان يثق أن العمل الجيد سيخدمه تلقائيًا.
أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة فى كثير من الأحيان. نأتى أولًا بالنجم، ثم نمنحه مفاتيح العمل كاملة: يختار الموضوع، يفرض الرؤية، يوجّه المخرج، وأحيانًا يُعيد تشكيل النص بما يخدم صورته، لا ما يخدم الدراما. ثم يأتى الإعلان ليُبنى حول هذا «الاسم»، لا حول جودة العمل. والنتيجة فى الغالب أعمال متضخمة الأجور، ضعيفة المضمون، قصيرة العمر، سرعان ما تختفى بانتهاء موسم عرضها.
الخطر الأكبر هنا لا يكمن فقط فى هيمنة النجم، بل فى نوعية المنتج الذى يدير المشهد. فمسوّق الإعلان، مهما بلغت خبرته فى جلب الرعاة وتوقيع العقود، لا يصلح بالضرورة لأن يكون منتجًا فنيًا. لأن خبرته الأساسية تدور حول سؤال واحد: «الإعلان هيجيب كام؟». بينما الإنتاج الفنى الحقيقى يبدأ بأسئلة مختلفة تمامًا: «النص بيقول إيه؟»، «الشخصيات حقيقية؟»، «العمل ده هيعيش؟».
قراءة النص، اختيار عناصره، الموازنة بين الكاتب والمخرج والممثل، كلها مهام تحتاج إلى عقل درامى وثقافة فنية وحس إبداعى. وهى أمور لا تُكتسب من جداول الإعلانات ولا من خبرة السوق وحدها. حين يُختزل دور المنتج فى كونه وسيطًا تجاريًا، تفقد الدراما حارسها الأول، ويتحول العمل إلى سلعة استهلاكية سريعة، بلا روح ولا أثر.
الإعلام والدراما لا يمكن أن يُقادا بعقلية الإعلان فقط. الإعلان مهم، لكنه تابع، لا قائد. والتجارب الماضية تثبت أن العمل الجيد هو الذى يجذب الإعلان، لا العكس. أما حين نقود الصناعة بمنطق «النجم أولًا» و«الإعلان أولًا»، فإننا نكسب أرقامًا مؤقتة، ونخسر ذاكرة فنية كان يمكن أن تُشكّل وجدان أجيال.
فى النهاية، الدراما التى يقودها الفكر تعيش، والدراما التى يقودها التسويق تُستهلك… ثم تُنسى.














