بقلم: د.سحر سالم
(الخبير الاعلامي ـ استشاري الصحة النفسية ومدير عام إذاعة القناة سابقا)
»» تشريع منتظر لحماية الأجيال القادمة
لم تعد التحديات التي تواجه أطفالنا في العصر الحديث مقتصرة على محيط الأسرة أو المدرسة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي المفتوح، حيث أصبح الإنترنت والذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأطفال، خاصة من هم دون سن السادسة عشرة. هذا الواقع الجديد يفرض ضرورة التعامل بجدية مع المخاطر المتزايدة الناتجة عن الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا الرقمية.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت دول متقدمة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لحماية أطفالها من التأثيرات السلبية للإنترنت. فقد أقرت فرنسا وبريطانيا تشريعات تفرض قيودًا عمرية وتنظم استخدام المنصات الرقمية، بينما سبقتهم الصين بسياسات أكثر صرامة للحد من الإدمان الرقمي وضمان الاستخدام الآمن للتكنولوجيا. هذه التجارب الدولية تعكس وعيًا متزايدًا بأن التطور التكنولوجي، دون ضوابط، قد يشكل خطرًا حقيقيًا على النشء.
ولا يمكن إنكار ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من فرص كبيرة في مجالات التعليم والبحث العلمي وتنمية المهارات، إلا أن مخاطره تتضاعف عندما يُترك الأطفال دون رقابة أو توجيه. فالاستخدام المفرط للتقنيات الذكية قد يؤدي إلى ضعف التركيز والتفكير النقدي، والعزلة الاجتماعية، والتعرض لمحتوى لا يتناسب مع القيم المجتمعية أو المراحل العمرية المختلفة، فضلًا عن التأثيرات النفسية والسلوكية طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، تكتسب معركة الوعي التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية خاصة، باعتبارها ركيزة أساسية لحماية المجتمع وبناء الإنسان المصري القادر على التمييز والاختيار. ومن هنا، يصبح دعم هذه الرؤية مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، ومؤسسات الدولة، وعلى رأسها البرلمان، الذي يُنتظر منه خلال المرحلة المقبلة مناقشة تشريع ينظم استخدام الإنترنت والذكاء الاصطناعي للأطفال، ويضع أطرًا واضحة للحماية الرقمية.
ومن المهم التأكيد أن الدعوة إلى تقنين استخدام الإنترنت لا تعني معاداة التكنولوجيا أو رفض التطور، بل تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإيجابيات وتجنب السلبيات. فالتنظيم والتشريع يمثلان الضمانة الحقيقية لاستخدام آمن وواعٍ للتكنولوجيا الحديثة.
إن حماية الطفولة في العصر الرقمي لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات العالمية. فبناء الوعي يبدأ من حماية عقول الأطفال، ومن يحسن الاستثمار في الإنسان اليوم، يضمن مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا غدًا.














