ليست كل النهايات ضجيجًا؛ بعضُها يحدث في صمتٍ مخيف، تموت فيه المشاعر بلا جنازة، وتُدفن الأحاسيس دون شاهد، ثم نُطالَب – ببرودٍ اجتماعيٍّ بليد – أن نُصافح من قتلوا فينا الدفء، كأن المصافحة قادرة على بعث ما مات. والحقيقة التي لا نحب سماعها أن المشاعر إذا رحلت لا تعود؛ قد تعود الوجوه، وقد تتقابل الأجساد، وقد تتصافح الأيدي، لكن القلوب لا تجيد التمثيل طويلًا.
المشاعر ليست مفتاحًا نعلّقه على الحائط ونسترده متى شئنا، هي وطنٌ إذا هُجّر أهله لا يعود كما كان، ولو رُفعت الأعلام، ولو رُمّمت الطرق، ولو صُبغت الجدران. أقسى ما في الخذلان ليس الرحيل ذاته، بل أن يُترك القلب حيًا ليشهد جنازة إحساسه بنفسه، أن يرى كيف انطفأ دون أن يُسعف.
نخدع أنفسنا فنقول: «الوقت كفيل بإصلاح كل شيء»، والحقيقة أن الوقت لا يُصلح؛ الوقت فقط يكشف. يكشف من كان حبّه عابرًا، ومن كان وجوده عادة، ومن كانت مشاعره مؤقتة كطقسٍ عابر. كم من علاقاتٍ استمرّت بعد موت مشاعرها؟ استمرّت شكلًا، واستقال فيها القلب؛ ضحكٌ بلا روح، كلامٌ بلا معنى، حضورٌ جسديٌّ كامل، وغيابٌ عاطفيٌّ أتمّ.
المشاعر لا تموت فجأة؛ تنزف على مهل، نقطةً نقطة، حتى يعتاد القلب الألم، وحين يعتاده يعلن انسحابه الأخير. لذلك لا تطلبوا من إنسانٍ خُذل أن يعود كما كان، ولا تنتظروا من قلبٍ انكسر أن ينبض بالسذاجة نفسها؛ فبعض القلوب إذا رُمّمت صارت أقوى، لكنها لا تحب بالطريقة ذاتها أبدًا. وإن سُئلتُ: هل يمكن أن نتصالح بعد رحيل المشاعر؟ أقول: نعم، نتصالح بالعقل، نتصافح بالاحترام، ونتبادل السلام بتهذيب، لكن الحب لا يعود مجاملة. فاحذروا جيدًا؛ ليس كل من بقي ما زال يحب، وليس كل من صافح ما زال يشعر. حين تموت المشاعر… لا تُبعث، ولو تصافحت الأيدي.