ياسر غانم : ترميم العلاقات الإنسانية اهم دروس ليلة النصف من شعبان
في ليلةٍ ازدانت بروحانيةٍ خاصة، واحتضنتها جدرانٌ تفوح بعبير التجديد، شهد مسجد “الهادي” بقرية نادر بمركز الشهداء بمحافظة المنوفية تظاهرةً إيمانيةً كبرى، جمعت بين نُخبةٍ من علماء الأوقاف وجموعٍ غفيرة من مريدي الحق والمشتاقين إلى نفحات ليلة النصف من شعبان. إنَّ إعمار بيوت الله ليس مجرد بناءٍ وتشييد، بل هو بعثٌ للأرواح وتجديدٌ للعهود، وهو ما تجلَّى في تلك الاحتفالية التي شهدت إقبالاً منقطع النظير، لتؤكد أنَّ المساجد ستظل دائماً هي القِبلة الجامعة، والمنارة الهادية، ومصنع الرجال الذين يحملون نور الوسطية في كل زمانٍ ومكان.
أقيمت الأمسية الدينية بحضور الزميل ياسر الشقيري نائب رئيس التحرير وتحت رعاية الدكتور أسامة الازهري وزير الأوقاف وبحضور الدكتور معوض حماد عبدالوهاب وكيل وزارة الأوقاف بالمنوفية، والشيخ ياسر محمود غانم مدير إدارة أوقاف الشهداء، والشيخ مصطفى الدقي كبير مفتشي الإدارة ، والشيخ طارق يونس جاد الله المفتش الأول بالإدارة والشيخ عصام زكي الفقي إمام وخطيب مسجد سيدي شبل، والشيخ سليمان غانم إمام وخطيب مسجد السلام، والشيخ محمد عبد العزيز نجم المفتش بالإدارة، والشيخ محمد محمد النشار مسئول المساجد وشئون القرآن والدعوة الإلكترونية بالإدارة، والشيخ أحمد مرزوق إمام وخطيب بالإدارة . وقام بتقديم الاحتفالية الشيخ محمد ابو هشيمة أمام وخطيب بالأوقاف .
استهلال بآيات الذكر الحكيم
افتُتحت الاحتفالية في أجواءٍ من السكينة والخشوع، بتلاوة قرآنية مباركة طرب بها الآذان القارئ الشهير الشيخ عباس أحمد عباس العيسوي، عضو مقرأة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، والذي حلق بالحاضرين في آفاق التدبر بآياتٍ بينات من كتاب الله، كانت خير استهلالٍ لهذا المحفل الإيماني
وسطية المنهج والاعتقاد.. وشهود الأمة على العباد
استهل فضيلة الدكتور معوض حماد، وكيل وزارة الأوقاف بالمنوفية، حديثه مستعرضاً الدروس المستفادة من تحويل القبلة، ومنها وسطية هذه الأمة، وهي خاصية جوهرية تعني الاعتدال، العدل، والخيرية، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط في الدين والدنيا. تمثل أمة وسطاً في العقيدة، العبادات، والأخلاق، متمسكة بنصوص القرآن والسنة بلا غلو ولا تقصير، مما يوازن بين مطالب الروح والجسد، الدنيا والآخرة، والوحي والعقل. وأكد فضيلته على خيرية هذه الأمة وأنها شاهدة على الأمم يوم القيامة وشهادتها في الدنيا كذلك.

د. معوض حماد وكيل أوقاف المنوفية
بوابة الروح لِنَيْلِ الفتوح
وفي وصفٍ بليغٍ لليلة النصف، قال فضيلة وكيل الوزارة: “إن هذه الليلة هي (بوابة الروح) نحو شهر رمضان المبارك. وقد ورد في فضلها ما يثلج الصدور، فهي ليلة تجلي الحق سبحانه بالعفو والمغفرة؛ يقول النبي ﷺ: (يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)”. كما أشار إلى أنَّ كثيراً من المفسرين يرون أن في هذا الشهر (وفي هذه الليلة تحديداً) استجاب الله لقلب نبيه ﷺ بتحويل القبلة، مما يجعلها ليلة “الاستجابة والرضا”.
إعمار المَساجد بين الظاهرِ والباطن
وحول تجديد مسجد “الهادي”، أكد الدكتور معوض حماد أن الحديث عن تجديد المساجد هو حديث عن إحياء الأرواح قبل بناء الجدران، خاصة حين يتعلق الأمر ببيت من بيوت الله مثل مسجد “الهادي” الذي لبس حلة جديدة ليظل منارة للهدى. فقد جعل الله عمارة المساجد علامة من علامات الإيمان، فقال سبحانه: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. والعمارة هنا تشمل العمارة الحسية (البناء والترميم) والعمارة المعنوية (الصلاة والذكر).
وأضاف: “أعظم ثمرة لبناء المساجد أو المساهمة في تجديدها هو الوعد النبوي الصادق؛ فعن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة أو أصغر، بنى الله له بيتاً في الجنة). وتجديد المسجد القائم لا يقل شأناً عن بنائه، فهو صيانة لحرمات الله واستمرارية لشعائره، ويعتبر تجديد مسجد (الهادي) من أفضل أنواع الصدقات الجارية. فكل من يصلي فيه، أو يقرأ حرفاً من القرآن، أو يتعلم علماً، يكتب أجر ذلك في صحيفة كل من ساهم بماله أو جهده في هذا التجديد، حتى بعد وفاته”. مشدداً على أن تجديد المسجد ليكون نظيفاً، مهيئاً، وجميلاً هو نوع من التعظيم لبيوت الله، إن الله جميل يحب الجمال، وإعداد مكان لائق للوقوف بين يدي ملك الملوك هو انعكاس لتقدير العبد لربه.

دلالات ورسائل
وأوضح وكيل أوقاف المنوفية أن تجديد هذا المسجد تحديداً يحمل رسائل إيمانية عميقة، على رأسها تجديد العهد مع “الهادي”: “كما تجددت جدران المسجد وفرشه، هي دعوة لكل مصلٍّ أن يجدد قلبه ونية الهداية في صدره. فالمسجد بجماله الجديد يحفز النفس على الخشوع والسكينة، وهو مركز مجتمعي يجمع الجيران، ويؤلف بين القلوب، وينشر الوعي الديني الصحيح في بيئة مريحة للنفس. خاصة وأن تجديد المساجد غالباً ما يكون ثمرة تكاتف أهل الخير، وهذا في حد ذاته مقصود شرعي (التعاون على البر والتقوى)، مما ينزل البركة في الحي بأكمله”. مستشهداً بقول أحد العارفين: “المساجد هي المصانع التي تصيغ الرجال، وترمم القلوب المنكسرة؛ فمن رمّم جداراً في مسجد، فقد ساهم في بناء جيل يحمل نور الهداية”.

جانب من تكريم د. معوض خلال الاحتفالية الدينية
ترميم العلاقات قبل البنايات
على جانب آخر، صدع فضيلة الشيخ ياسر محمود غانم، مدير إدارة أوقاف الشهداء، بحقيقة شرعية غائبة عن الكثيرين؛ وهي أن “الترميم” الحقيقي الذي نحتاجه في ليلة النصف من شعبان هو ترميم العلاقات الإنسانية. فليس من المنطق في شيء أن يقف العبد في مسجد “مُجدد” بجدران نظيفة، بينما يحمل في صدره قلباً “متهالكاً” بالأحقاد والضغينة.
وبيّن فضيلته “الضريبة الثقيلة للمشاحنة”، قائلاً إن المشاحنة ليست مجرد خلاف عابر، بل هي “الحالقة” التي تحلق الدين لا الشعر، وهي “الحاجز المعنوي” الذي يمنع صعود العمل الصالح إلى السماء؛ ففي ليلة النصف، يطلع الله على خلقه فيغفر للجميع، إلا لمن تلوثت سريرته بالشرك وهو فساد العلاقة مع الخالق، والمشاحنة وهي فساد العلاقة مع الخلائق.

الشيخ ياسر غانم مدير إدارة الأوقاف بالشهداء
فلسفة السلام بين الأنام
وحول فلسفة “خيرهما الذي يبدأ بالسلام”، أكد الشيخ ياسر غانم أن النبي ﷺ جعل الأفضلية لمن يكسر كبرياء نفسه ويخطو الخطوة الأولى نحو الصلح. وفي رحاب مسجد الهادي، نجد أن “الهداية” الحقيقية تبدأ من التواضع؛ فمن عجز عن مسامحة أخيه، كيف يطمع في سماح رب العالمين؟ إن إفشاء السلام ليس مجرد كلمات باللسان، بل هو أمان يبثه المسلم في مجتمعه، فلا يخشى منه جار ولا يرهب منه صديق. موجهاً دعوة صريحة لنزع فتيل “التدابر” الذي يمزق نسيج المجتمع، قائلاً: “لنجعل من تجديد مسجد الهادي رمزاً لتجديد أواصر المودة. فكما أزلنا الغبار عن الجدران، لنزل الغبار عن القلوب، ولنعلم أن عفو الله يبحث عن القلوب السليمة لا عن الوجوه العابسة”.

جانب من تكريم الشيخ ياسر غانم خلال الاحتفالية
وفي سياقٍ متصل، ربط الدكتور عصام الفقي، إمام وخطيب مسجد سيدي شبل بالشهداء، بين حركة الجسد والروح، موضحاً أن توجه القلوب إلى القبلة (الكعبة المشرفة) يمثل رمزاً لتوحيد الأمة الإسلامية وتجريد العبادة لله وحده، وهو اختبار للإيمان والطاعة كما حدث في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.

د.عصام الفقي يتوسط الشيخ طارق يونس جاد الله المفتش الأول بالإدارة والشيخ سليمان غانم إمام وخطيب مسجد السلام
ويُعد هذا التوجه امتداداً لشوق النبي ﷺ وعودة للأصل (بيت إبراهيم)، حيث يمثل اتجاهاً موحداً للمسلمين في صلاتهم وقلوبهم.
جاءت هذه الكلمات في حضور جمع غفير من أهل القرية ورواد المسجد، وسط إقبال منقطع النظير، حيث أثنى الحضور على جهود وزارة الأوقاف في الاهتمام بالمساجد ونشر الوسطية التي لا غلو فيها ولا تشدد، مطالبين بتكرار مثل هذه اللقاءات، إيماناً منهم بدور الوزارة في نشر الوعي والفكر الوسطي المستنير


القارئ الشيخ / عباس العيسوي

لقطة جماعية في ختام الاحتفالية














